مراجعة انتخابات البلديات في فرنسا: اليمين المتطرف يلتهم اليسار المتمسك، و"الماكرونية" تقترب من الغروب

لطالما اعتُبرت فرنسا نموذجًا للدولة المركزية الحديثة في أوروبا. خاصة بفضل مقارنة توكفيل الأفقية بين “الديمقراطية في أمريكا” و"الاستبداد في فرنسا"، ترسخت هذه الصورة في الأذهان. لكن في الواقع، خلال أكثر من مئة عام منذ توكفيل، خضعت هذه النظام المركزي لمحاولات تصحيح وتجارب عديدة، وتخففت صلابته بشكل كبير، وأبرز مثال على ذلك هو تثبيت وتحسين انتخابات البلديات: فالسلطة البلدية الأقرب إلى حياة المواطنين اليومية، والتي تُنتخب ديمقراطيًا، تشكل حاجزًا فعالًا ضد إرادة الدولة.

في 22 مارس 2026، بتوقيت فرنسا، باريس، يُدير موظفون صندوق اقتراع في مركز تصويت. تصوير وكالة أنباء الصين الجديدة لي يانغ

وبسبب ذلك، أُعطيت انتخابات البلديات التي تُجرى كل ست سنوات معنى فريدًا: فهي لا تحدد المناصب العليا، لكنها تعكس إلى حد كبير اتجاهات الرأي العام وتذبذبات القوى السياسية وتراجعها وازدهارها. وُتعد انتخابات 2026، التي جاءت بعد إصلاح نظام الانتخابات في مدن باريس وليون ومرسيليا، أول تطبيق عملي لها، وبما أنها تسبق الانتخابات الرئاسية لعام 2027 بسنة واحدة فقط، فهي ذات أهمية خاصة.

أُجريت جولة التصويت الأولى والثانية في 15 و22 مارس. بعد إعادة ترتيب المشهد السياسي، يمكن ملاحظة عدة اتجاهات: لا تزال الأحزاب اليمينية التقليدية قوية؛ لم تتراجع الأحزاب اليسارية كما كان متوقعًا، وظلت ثابتة إلى حد كبير؛ بينما لم تتمكن الأحزاب اليمينية المتطرفة من إثارة موجة عارمة، لكنها تواصل استيلاءها على مزيد من الأراضي؛ وعلى الرغم من استمرار تحالف “الجبهة الجمهورية” ضد اليمين المتطرف، إلا أن علامات التصدع بدأت تظهر.

الأهم من ذلك، أن القوى الوسطية، المتمثلة في تحالف ماكرون، لا تزال ضعيفة أمام اليمين القوي، واليسار الثابت، واليمين المتطرف الطامح. على الرغم من أن هذا التحالف يبدو أنه يحافظ على تماسكه بشكل مؤقت، وحتى يحقق بعض المكاسب الصغيرة، إلا أن التغيرات السياسية في 2026، وما يعنيه ذلك مقارنة بعام 2020، تشير إلى أن الفرصة التاريخية لإعادة تشكيل المشهد الوسيط قد ضاعت. على الرغم من أن “عهد ماكرون” لن ينتهي رسميًا إلا في 2027، إلا أن هذه الانتخابات المحلية كانت بمثابة نعي مبكر لهذا العهد قبل عام من نهايته.

التمدد اليميني

ما يُطلق عليه في فرنسا “البلدية” (Commune) يشمل في الواقع مدى واسعًا من المدن الكبرى إلى القرى الصغيرة: باريس التي يبلغ عدد سكانها 2 مليون، وRochefourchat التي يسكنها شخصان فقط، يمكن أن تكونا مناطق انتخابية منفصلة في الانتخابات البلدية. لذلك، تختلف الأحجام السياسية للمدن بشكل كبير، فلقب “عمدة” (maire) قد يكون حاكم إقطاعي في مدينة صغيرة، أو رئيس قرية نائية. من بين حوالي 35 ألف بلدية في فرنسا، الغالبية العظمى صغيرة الحجم، والأكثر أهمية على الخريطة السياسية هي حوالي 650 مدينة متوسطة وكبيرة، خاصة تلك التي يزيد عدد سكانها عن 100 ألف، و42 مدينة كبيرة يتجاوز عدد سكانها 100 ألف.

وفقًا لمراجعة صحيفة “لو وور” (Le Monde)، إذا نظرنا إلى أكثر من 650 مدينة متوسطة وكبيرة، بعد هذه الانتخابات، فإن نحو ثلثها تغيرت أيديها بين الأحزاب المختلفة، مع بقاء المشهد السياسي بشكل عام مستقر، لكن اليمين المتطرف يُعد استثناءً ملحوظًا، إذ حافظ على السيطرة على 9 مدن، وزادها إلى 18، أي أن المدن المتوسطة والكبيرة التي يسيطر عليها اليمين المتطرف تضاعفت ثلاث مرات، رغم أن العدد الإجمالي لا يزال محدودًا، وغالبًا ما تكون صغيرة الحجم، إلا أن الزخم لا يُستهان به.

في انتخابات 2020، فاز حزب التجمع الوطني (National Rally) بقيادة مارين لوبان في مدينة بيربينيان (Perpignan) في جنوب فرنسا، وهي المرة الأولى التي يتولى فيها الحزب الحكم في مدينة كبيرة يزيد عدد سكانها عن 100 ألف، وهو حدث تاريخي. وبعد ست سنوات، عزز الحزب من سيطرته على المدينة، حيث فاز العمدة لويس أليو (Louis Aliot) في الجولة الأولى بأكثر من 50% من الأصوات، وأعاد انتخابه مباشرة.

إلى جانب بيربينيان، واجه حزب التجمع الوطني عقبة في المدن الكبرى، ولم ينجح في السيطرة على أي مدينة يزيد عدد سكانها عن 100 ألف، لكنه فاز بأكثر من 3000 من أصل 35 ألف بلدية، وهو تقدم كبير مقارنة بـ827 مقعدًا في 2020، وحقق سيطرة على أكثر من 60 مدينة صغيرة ومتوسطة، منها كاركاسون (Carcassonne)، أورانج (Orange)، مينتون (Menton)، كان (Cagnes-sur-Mer)، وغيرها. ووصف زعيم الحزب جوردان بارديلا (Jordan Bardella) هذا الإنجاز بأنه “أكبر اختراق في تاريخ الحزب”. ومن الجدير بالذكر أن مدينة مونتارجيس (Montargis)، التي تقع بالقرب من باريس ولها علاقات عميقة مع الصين، كانت سابقًا معقلًا للثورة اليسارية، وأصبحت الآن في يد اليمين المتطرف، وهو تطور يحمل دلالات تاريخية غريبة.

في 15 مارس 2026، أُجريت الانتخابات في بلدية سارلوي (Sarguemines) بمنطقة لورين، فرنسا. تصوير فيزاو تشاينا

حتى في المدن التي لم ينجح فيها اليمين المتطرف في السيطرة، أظهر حزب التجمع الوطني أنه يثير قلق الأحزاب التقليدية: ففي مدينة تولون (Toulon) على البحر الأبيض المتوسط، فاز مرشح الحزب في الجولة الأولى بنسبة 42%، متقدمًا بشكل كبير على مرشح اليمين الوسط، لكن الأخير استفاد من تحالف “الجبهة الجمهورية” (共和阵线) الذي ضم مرشحين آخرين انسحبوا لصالحه، ونجح في النهاية في قلب الطاولة والفوز. وفي نيم (Nîmes) في جنوب فرنسا، تصدر مرشح الحزب الجولة الأولى بنسبة 30.39%، لكنه في الجولة الثانية فُوق من قبل مرشح الحزب الشيوعي. كانت هذه المدينة، التي كانت تسيطر عليها اليمين منذ زمن طويل، على وشك أن تقع في يد اليمين المتطرف، لكنها انقلبت إلى اليسار المتطرف، وهو أكبر مفاجأة في الانتخابات.

أما أكبر اختراق لليمين المتطرف خارج حزب التجمع الوطني، فكان فوز تحالف “الجبهة الجمهورية” (UDR) المنشق عن اليمين التقليدي في نيس (Nice)، وهي خامس أكبر مدينة في فرنسا. حيث تصدر زعيم الحزب إيريك سيوتي (Eric Ciotti) الجولة الأولى بنسبة 43.43%، متفوقًا على العمدة الحالي، عضو الحزب “آفاق” (La République En Marche) كريستيان إستروس (Christian Estrosi)، الذي كان قد فاز لثمانية عشر عامًا، وكان بعيدًا جدًا عن المنافس. قبل الجولة الثانية، رفض مرشح اليسار الانسحاب، ورفض الحزب الجمهوري دعم المرشح المنشق، مما أدى إلى عدم تشكيل تحالف “الجبهة الجمهورية”، واستطاع سيوتي أن يتولى منصب عمدة نيس بسهولة.

يمكن ملاحظة أن مدينة نيس تعتبر نموذجًا واضحًا، حيث تتآكل السيطرة التقليدية للأحزاب الكبرى على اليمين، ولم تعد “الجبهة الجمهورية” ضمانًا مطلقًا. بالإضافة إلى نيس، شهدت مدن مثل ريمس (Reims)، دراوجينيان (Draguignan)، بري-كومت-روبيه (Brie-Comte-Robert) ظهور حالات تحالف علني بين اليمين الوسط واليمين المتطرف في الجولة الثانية، وظهور مرشحين من الحزب الجمهوري يدعمون بشكل علني حزب التجمع الوطني. ورغم أن الحزب الجمهوري لم يغير خطوطه الحمراء بعد، ويعاقب مرارًا أعضاءه الذين يعلنون دعمهم للتجمع الوطني، إلا أن هذه المواقف الدفاعية تُظهر أن الفجوة بين الطرفين، التي كانت واضحة سابقًا، بدأت تتلاشى تدريجيًا.

اليسار يثبت

داخل اليسار، يواجه حزب “فرنسا غير قابلة للكسر” (LFI) مشكلة مماثلة مع القوى المتطرفة: هل يُعتبر حزبًا “يساريًا متطرفًا” أم “يسارًا راديكاليًا”؟ تعترف وزارة الداخلية والمحكمة الإدارية بالتصنيف الأول، بينما يدافع الحزب بشدة عن نفسه. الفرق بينهما أن “اليسار المتطرف” لا يعترف في جوهره بالنظام الجمهوري، وبالتالي التعاون معه يشبه فتح الباب للسرقة؛ أما “اليسار الراديكالي” فهو لا يزال ضمن إطار الجمهورية، ولهذا لا يزال هناك مجال للتعاون.

بالنسبة لـ"فرنسا غير قابلة للكسر"، فإن خلفية غير مواتية كانت أن حادثة مقتل قتيان درانك (Quentin Deranque)، الشاب اليميني المتطرف، على يد متطرفين يساريين قبل شهر من الانتخابات البلدية، أُتهم فيها الحزب، مما جعله هدفًا للانتقادات، وهدد بشكل مباشر فرصه في الفوز، بالإضافة إلى أن الأحزاب اليسارية الأخرى، إذا تعاونت معه، ستتحمل عبء أخلاقي أكبر.

في 21 فبراير 2026، في ليون، فرنسا، رفع متظاهرون لافتات كتب عليها “نطالب بالعدالة لقتيان” خلال مسيرة تذكارية للقتيل. تصوير فيزاو تشاينا

لكن في السياسة، يكمن التعقيد في أن في الانتخابات الواقعية، لا يمكن الحكم على الأمور بشكل قاطع بناءً على التصنيفات، فكما أن اليمين الوسط يواجه “الأسطورة البحرية” (اليمين المتطرف)، فإن اليسار الوسط يواجه “فرنسا غير قابلة للكسر”، ولا توجد استراتيجيات موحدة، وإنما تتغير حسب الظروف المحلية، مما يؤدي أحيانًا إلى نجاحات مفاجئة وأحيانًا إلى إخفاقات كارثية.

بعد الجولة الأولى، كانت نتائج “فرنسا غير قابلة للكسر” أفضل بكثير من المتوقع، ونجحت في بعض البلديات، ودخلت الجولة الثانية في حوالي مئة دائرة، وحقق بعضها نجاحات تاريخية (مثل تولوز)، مما زاد من ثقة قيادات الحزب. لكن بعد الجولة الثانية، واجه الحزب واقعًا قاسيًا: باستثناء مدن مثل سانت-ديني (Saint-Denis)، وروبي (Roubaix)، وبعض البلديات الصغيرة، لم يحقق الحزب انتصارات كبيرة، بل خسر العديد من المعارك، وقدم نماذج تثير التساؤل.

في تولوز، حل مرشح الحزب، فرانسوا بيكمار (François Piquemal)، ثانيًا في الجولة الأولى بنسبة 27.56%، بفارق أقل من 5 نقاط عن المرشح اليميني، و24.99% للمرشح اليساري الوسطي، مما كان يتيح إمكانية الفوز في الجولة الثانية عبر تحالفات. لكن، في النهاية، أدى ذلك إلى فخ “الرياضيات الشعبية”؛ إذ أن تصويت الوسط واليمين في الجولة الثانية زاد بشكل كبير، وظهرت أصوات معارضة، فخسر بيكمار بنسبة 46.13% مقابل 53.87%. وهو مثال على أن “الواحد زائد واحد أقل من اثنين” في السياسة.

هذه الظاهرة، التي ظهرت في معركة “فرنسا غير قابلة للكسر”، كانت أيضًا مصدر قلق كبير للحزب الاشتراكي والحزب الأخضر. فكما أن زعيم الحزب الاشتراكي أوليفييه فاور (Olivier Faure) يتبع سياسة “الغموض الاستراتيجي”، حيث يهاجم الحزب بشدة “فرنسا غير قابلة للكسر” وقيادته، ويؤكد أنه لا يوجد اتفاق وطني معه، لكنه في الوقت ذاته يترك لفرعه المحلي حرية اتخاذ قرار التعاون من عدمه، حسب الظروف.

وبناءً عليه، تختلف استراتيجيات الحزب الاشتراكي من منطقة لأخرى، ففي باريس، مارسيليا، رين، يرفض مرشحو الحزب التعاون مع “فرنسا غير قابلة للكسر”. وفي مرسيليا، التي يسيطر عليها الحزب الاشتراكي، فاز العمدة بينوا بايان (Benoît Payan) في الجولة الأولى بفارق بسيط، لكنه رفض التعاون مع الحزب، وترك المجال لفرنسا غير قابلة للكسر، التي فازت في النهاية بفارق 14 نقطة. أما في نانت، ففاز العمدة جوزانا رولاند (Johanna Rolland) في الجولة الأولى بفارق نقطة، وواجهت تحديًا كبيرًا، إذ أن مرشح الحزب غير القابل للكسر حصل على 11.2%، وإذا استمر تشتت الأصوات، فسيكون الفوز حليف اليمين. لذلك، اتفق الحزبان على “تحالف تقني”: اندماج القائمتين، وترك مرشح الحزب غير القابل للكسر الترشح، لكنه سيظل يظهر كمعارض في المجلس البلدي. وفاز رولاند بنسبة 52.18% مقابل 47.82%.

لكن، خارج نانت، لم تنجح استراتيجية “التحالف حسب الظروف” للحزب الاشتراكي في قلب المعادلة، ففي لييموج (Limoges) وكليرمون فيران (Clermont-Ferrand)، لم ينجح اليسار في منع فوز اليمين؛ والأمر الأكثر مأساوية كان في بريست (Brest)، التي حكمها اليسار لمدة 37 عامًا، حيث خسر العمدة فرانسوا كوياندر (François Cuillandre) الانتخابات بعد أن تراجع بنسبة 6 نقاط في الجولة الأولى، وخاض معركة تحالف مع “فرنسا غير قابلة للكسر”، لكن النتيجة كانت كارثية، حيث خسر بفارق يقارب 20 نقطة.

داخل الحزب الاشتراكي وخارجه، يثير “الغموض الاستراتيجي” الكثير من الجدل. فالمعارضون يرون أن فاور هو سياسي متردد، وأن خسارة الحزب للعديد من المدن التاريخية مرتبطة بهذا النهج. لكن، من خلال تتبع مسار الحزب في السنوات الأخيرة، يتضح أن فاور يسعى لتحقيق توازن دقيق بين القوى السياسية المختلفة، يهاجم “فرنسا غير قابلة للكسر” بشدة، ويستخدم قوتها عند الحاجة، ويهدد بالانقلاب على ماكرون، لكنه في الوقت ذاته يمد يد التعاون عند الضرورة. النتيجة أن الحزب الاشتراكي خرج من ظلال هزيمته في الانتخابات الرئاسية، وأصبح قوة لا يُستهان بها في المشهد السياسي الفرنسي، مع بعض المكاسب والخسائر، لكنه بشكل عام حافظ على تماسكه.

أما الحزب الأخضر، الأكثر تطرفًا، فقد أظهر في انتخابات 2020 مفاجأة غير متوقعة، حيث أطلق موجة “الطاقة الخضراء” رغم أن قضايا البيئة كانت في ذروتها، وأن الحرب في أوكرانيا لم تشتعل بعد، وأن جائحة كورونا قللت من تصويت كبار السن. لكن، مع مرور الوقت، بدأ الحزب يشعر بانحسار شعبيته، وأصبح أكثر استعدادًا للتعاون مع “فرنسا غير قابلة للكسر” لاستعادة مكانته، وحقق نجاحات في ليون، غرينوبل، تور.

في 22 مارس 2026، في ليون، ألقى مرشح الحزب الأخضر، جان-ميشيل أوراس (Jean-Michel Aulas)، خطابًا بعد الجولة الثانية من الانتخابات، حيث كان قد تحدى العمدة الحالي، غريغوري دوسيه (Grégory Doucet)، الذي ينتمي إلى الحزب الأخضر، وتوقع فوزًا كبيرًا، لكن النتائج أظهرت أن المنافسة كانت متقاربة جدًا، حيث فاز أوراس بنسبة 50.67% مقابل 49.33%، بعد أن كانت استطلاعات الرأي تتوقع فوزًا ساحقًا.

ومثل الحزب الاشتراكي، فإن استراتيجية التعاون هذه ليست مضمونة، ففي بواتييه (Poitiers) وبسوانسون (Besançon)، خسر الحزب الأخضر بعد التعاون مع “فرنسا غير قابلة للكسر”. والأكثر درامية كانت في ستراسبورغ، حيث تحالف الحزب الأخضر مع “فرنسا غير قابلة للكسر”، لكنه خسر أمام مرشح الحزب الاشتراكي، الذي حصل على دعم من الوسط. بشكل عام، يُعد الحزب الأخضر أكبر الخاسرين في هذه الانتخابات.

“شيخوخة الماكرونية”

تحت ضغط اليسار واليمين، حافظ الوسط على استقراره الظاهر، حيث زاد عدد المدن الكبرى التي يحكمها الوسط من 93 في 2020 إلى 97 في 2026، أي حوالي سدس المدن الكبرى. ووفقًا لبيان الأمين العام لـ"إعادة إحياء" (République En Marche)، غابرييل أتال (Gabriel Attal)، فإن الحزب يعتقد أنه حقق تقدمًا، وأنه عزز قاعدته الشعبية، ويملك الآن أكثر من 200 عمدة، وحقق مضاعفة في عدد المقاعد البرلمانية المحلية.

لكن، عند التدقيق، فإن نجاح الحزب يتركز بشكل رئيسي على المدن الصغيرة والمتوسطة، وأهم إنجازاته كانت في بوردو (Bordeaux) وأنسي (Annecy)، وهما المدينتان الوحيدتان اللتان يديرهما الحزب ويزيد عدد سكانهما عن 100 ألف. ومع ذلك، فإن هذه الانتصارات لا يمكن اعتبارها دليلًا على “تعزيز قاعدة ماكرون”، خاصة أن فوز بوردو كان محظوظًا إلى حد كبير.

كان العمدة السابق لمدينة بوردو، بيير هورميك (Pierre Hurmic)، من الحزب الأخضر، يتوقع أن ينجح في إعادة انتخابه، ورفض التعاون مع “فرنسا غير قابلة للكسر”، لكنه فاز في الجولة الأولى بفارق نقطتين فقط عن مرشح الحكومة السابق، توماس كازناف (Thomas Cazenave). أما المرشح الثالث، الاقتصادي فيليب ديسيرتين (Philippe Dessertine)، فحصل على 20.2%، لكنه أعلن فجأة انسحابه، ويُعتقد أنه تعرض لضغوط من جهات متعددة، وأُجبر على التنازل لصالح المرشح الأوفر حظًا، الذي فاز في الجولة الثانية بنسبة 50.95% مقابل 49.05%.

بالمقارنة مع نجاحاته في بوردو وأنسي، فإن الحزب في معاقله الكبرى، مثل باريس، مارسيليا، وليون، تعرض لانتكاسات. ففي باريس، دعم الحزب مرشحًا من الحزب الجمهوري، لكنه لم ينجح في الفوز، وواجه مقاومة من اليسار، خاصة أن مرشح الحزب الجمهوري، إيمانويل غريغوار، فاز في الجولة الثانية بنسبة 9 نقاط، وهو فوز ضئيل، لكنه أتاح له السيطرة على المدينة، خاصة أن مرشح الحزب غير القابل للكسر، غريغوار، رفض التعاون مع الحزب، وترك المجال لمرشح الحزب الاشتراكي، الذي فاز بفارق 14 نقطة.

أما في مرسيليا، فمرشح الحزب ماكرون، مارك فاسال، حل في المركز الرابع في الجولة الأولى، وحصل على 5.36% في الجولة الثانية، وأصبح مجرد مرشح احتياطي. وفي ليون، كما ذكرنا، خسر مرشح الحزب، أورا، رغم تفوقه في استطلاعات الرأي، أمام مرشحة الحزب الأخضر، التي تفوقت عليه.

علامة بارزة أخرى كانت خسارة رئيس الوزراء السابق، فرانسوا بايرو، في مسقط رأسه، باو، حيث خسر أمام مرشح الحزب الاشتراكي بنسبة ضئيلة (41.14% مقابل 42.45%)، بعد أن حكم المدينة لمدة 12 عامًا. المدينة تقع في جنوب غرب فرنسا، ويبلغ عدد سكانها 80 ألف نسمة، وليست ذات أهمية استراتيجية كبيرة، لكن، من المفارقات، أن منصب العمدة في باو كان يحمل رمزية خاصة لبيرو، الذي ظل يحتفظ به حتى بعد أن أصبح رئيسًا للوزراء، وكان يشارك في إدارة المدينة أثناء إعصار ضرب المنطقة، وهو أمر تعرض لانتقادات. الآن، مع تراجع مكانة بيرو، وانهيار حظوظه السياسية، فإن خسارته تعكس تراجع “الماكرونية” بشكل عام، وتؤكد أن زخمها بدأ يتآكل.

أما حزب “الخط الأزرق” (La République En Marche)، الذي ظل حليفًا للحزب الحاكم، فهو يحمل طابعًا شخصيًا واضحًا، إذ أن مؤسسه، إدوارد فيليب (Édouard Philippe)، الذي استقال من رئاسة الحكومة، أسس حزب “الخط الأزرق”، وواصل منصبه كعمدة للوهافر، ويهدف إلى الترشح للرئاسة.

وفي الانتخابات الأخيرة، فاز فيليب في لوهافر، وهو إنجاز يعزز مكانته كقوة وسطية، ويعد بمثابة إشارة انطلاق لمشواره الرئاسي. من المتوقع أن يزداد طموحه السياسي في العام القادم، وإذا لم يظهر كمرشح موحد لمجموعة ماكرون، فسيحتمل أن يترشح بشكل مستقل، مما قد يؤدي إلى انشقاق حزب “الخط الأزرق” عن ماكرون، ويجعل منه قوة مستقلة، أو “إقطاعية” داخل المشهد السياسي.

ومن الجدير بالذكر أن تحالف ماكرون مع “الوسط” لا يعني أنه يمثل تمامًا الوسط السياسي. فقبل صعوده في 2017، كانت هناك أحزاب وسطية قائمة، لكنها لم تكن ذات تأثير كبير. وفي الواقع، فإن الأحزاب الوسطية الفاعلة غالبًا ما تميل إلى اليمين، وأبرزها “الحركة الديمقراطية” (MoDem) و"الاتحاد الديمقراطي المستقل" (UDI). ومع ذلك، فإن حزب “الخط الأزرق” و"الخط الأزرق" نفسه، أصبح يميل أكثر نحو اليمين، وهو ما يفسر التعاون بين “الوسط” و"الجبهة الجمهورية" في الانتخابات البلدية.

لو عدنا إلى انتخابات 2020، قبل صعود ماكرون، لوجدنا أن الوسط كان يسيطر على حوالي سدس المدن الكبرى، وكان يمكن أن يكون نقطة انطلاق جيدة، لكن بعد جائحة كورونا، وخلافات إصلاح التقاعد، والأزمة البرلمانية، بقيت هذه السيطرة على حالها، وأصبح التقدم بطيئًا جدًا، وهو أمر يثير القلق بالنسبة لحزب كان يطمح إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي.

بعد الانتخابات البلدية، ستدخل فرنسا مرحلة “الانتخابات الكبرى”. ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية في 2027، وخروج ماكرون من المشهد، يبقى السؤال: هل ستتمكن هذه القوة من الصمود، أم ستتحول إلى فقاعة في ظل تشتت المشهد، وأي قرار حاسم يُعد مغامرة. لكن، بما أن هذه الحركة نشأت أساسًا من خلال هالة شخصية حول شخصية سياسية، والتي ستودع المسرح، فإنها قد تفقد زخمها، وتفقد قدرتها على التأسيس على قاعدة شعبية عميقة. وبدون وجود قاعدة شعبية قوية، فإن “الماكرونية” قد لا تختفي تمامًا، لكنها ستفقد زخمها، وتصبح بلا جذور، وربما تتلاشى، أو تتحول إلى قوة هامشية، أو “إقطاعية” داخل النظام السياسي.

شاهد النسخة الأصلية
قد تحتوي هذه الصفحة على محتوى من جهات خارجية، يتم تقديمه لأغراض إعلامية فقط (وليس كإقرارات/ضمانات)، ولا ينبغي اعتباره موافقة على آرائه من قبل Gate، ولا بمثابة نصيحة مالية أو مهنية. انظر إلى إخلاء المسؤولية للحصول على التفاصيل.
  • أعجبني
  • تعليق
  • إعادة النشر
  • مشاركة
تعليق
إضافة تعليق
إضافة تعليق
لا توجد تعليقات
  • Gate Fun الساخن

    عرض المزيد
  • القيمة السوقية:$0.1عدد الحائزين:0
    0.00%
  • القيمة السوقية:$2.37Kعدد الحائزين:1
    0.00%
  • القيمة السوقية:$2.38Kعدد الحائزين:2
    0.00%
  • القيمة السوقية:$2.35Kعدد الحائزين:1
    0.00%
  • القيمة السوقية:$2.36Kعدد الحائزين:1
    0.00%
  • تثبيت