توقعات أسعار الذهب الأيام القادمة: بين تصحيح فني وآمال التعافي

شهدت أسعار الذهب (XAUUSD) خلال الأسابيع الأخيرة حركات درامية تعكس الصراع بين عوامل فنية قصيرة الأجل وأساسيات هيكلية أعمق. فقد انخفض المعدن النفيس بحدة في الآونة الأخيرة، لتصل أسعاره إلى مستويات لم تُشهد منذ أسابيع، مما يثير أسئلة حول مسار توقعات أسعار الذهب القادمة والسيناريوهات المتوقعة للمرحلة الراهنة. إن فهم العوامل المحركة لهذه التحركات السريعة ضروري للمستثمرين الذين يتطلعون لاتخاذ قرارات استثمارية مدروسة في هذه الفترة الحساسة.

ازدحام المراكز والتسييل القسري: لماذا هبط الذهب بهذه السرعة؟

دخل الذهب إلى فترة التصحيح الأخيرة وهو يحمل عبء تمركزات استثمارية ضخمة من جانب المشترين، خاصة بعد موجة الصعود القوية التي شهدها خلال يناير الماضي. هذا التراكم الكثيف للمراكز الشرائية جعل السوق شديد الحساسية تجاه أي إشارة سلبية، حتى وإن كانت محدودة الأثر من حيث الحجم النسبي.

في بيئة مشحونة بهذا الشكل، تتحول الحركات السعرية الصغيرة إلى موجات بيع واسعة تُفعّل أوامر وقف الخسائر المتراكمة. أضيف إلى ذلك دور صناديق تتبع الاتجاه (CTAs) وصناديق استهداف التقلب، التي تعتمد بقراراتها على الزخم والسعر بدلاً من المؤشرات الأساسية، مما يؤدي إلى تضخيم الحركات الهبوطية بطريقة آلية. وتزامن ذلك مع ارتفاع ملحوظ في متطلبات الهامش على عقود الذهب الآجلة لدى بورصة CME، حيث ارتفعت نسبة الهامش من 6% إلى 8%، الأمر الذي رفع كلفة الاحتفاظ بالمراكز المفتوحة بشكل كبير.

هذا الإجراء فرض على العديد من المتعاملين، خاصة المضاربين ذوي الرافعة المالية العالية، ضرورة ضخ سيولة إضافية أو تصفية أجزاء من مراكزهم بسرعة لتجنب نداءات الهامش الإجبارية. لقد أدى هذا التدفق السريع للمبيعات إلى تفاقم حدة الانخفاض، وأظهر أن العامل الحاكم للسوق في هذه الفترة لم يكن إعادة تقييم اقتصادية جذرية، بل صدمة سيولة تقنية بحتة تستهدف تصفية المراكز الممولة بالديون.

تحليل تقني عميق: مستويات الدعم والمقاومة الحاسمة

من الناحية الفنية، دخل الذهب مرحلة حرجة بعد كسر الخطوط الصاعدة الأساسية التي دعمته منذ مطلع شهر يناير. فشل المعدن في الثبات فوق مستوى 5,250 دولاراً، مما أدى إلى تسارع الهبوط نحو مستويات أدنى. لقد تحول مستوى 5,185 دولاراً من نقطة دعم قوية إلى منطقة صراع قبل الانهيار الأخير، مما يعكس ضعف البنية الشرائية السابقة وارتفاع الضغط البيعي.

بالنسبة لمؤشرات الزخم، يُظهر مؤشر MACD تحولاً جذرياً في هيكل الزخم. فقد تقاطع خط الإشارة بشكل سلبي عند خط الصفر، مع ظهور أعمدة حمراء طويلة ومتزايدة في الهيستوجرام، دلالة واضحة على سيطرة كاملة للبائعين. يعكس هذا التوسع في المسافة بين خط MACD وخط الصفر تفاقم قوة الاتجاه الهبوطي، ويزيد من احتمالية استمرار الضغط حتى تصل السوق إلى مناطق دعم رئيسية أكثر قوة.

من جهته، انخفض مؤشر القوة النسبية (RSI) بشكل حاد من مناطق التشبع الشرائي المتطرف (أعلى من 80) إلى مستويات تحت 30، وهي مناطق تشير تقليدياً إلى بدء مرحلة التشبع البيعي. هذا الانهيار الحاد يؤكد استنزاف الزخم الشرائي بالكامل، ويشير إلى أن السوق الآن في مرحلة “البحث عن قاعدة سعرية جديدة”.

المستويات الفنية الحاسمة التي يجب مراقبتها بدقة في الفترة القادمة:

مستويات المقاومة: 4,750 دولار (المقاومة القريبة الأولى)، 4,950 دولار (المقاومة المتوسطة)، 5,100 دولار (المقاومة البعيدة)

مستويات الدعم: 4,400 دولار (الدعم الأول)، 4,200 دولار (الدعم الثاني)، 4,000 دولار (الدعم الاستراتيجي)

عوامل ضغوط السيولة وإعادة تقييم توقعات أسعار الفائدة

لم تقتصر موجة البيع على سوق الذهب وحدها، بل امتدت تأثيراتها إلى أسواق الأسهم والعملات المشفرة والسلع الأخرى. يشير هذا الانتشار الواسع للضغوط إلى أننا أمام “صدمة سيولة عامة” أكثر من كونها حركة معزولة في سوق واحد. نشأت هذه الظاهرة من نداءات الهامش المتسلسلة في أسواق السلع، مما أجبر المستثمرين على بيع “ما يمكن بيعه” من الأصول القابلة للتسييل السريع.

بالتزامن مع ذلك، أعاد المستثمرون تقييم توقعاتهم الكاملة لمسار السياسة النقدية الأمريكية. فقد ظهر وضوح أكبر بشأن أن اختيار كيفن وورش لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي قد لا يعني بالضرورة سياسة بنقدية “حمائمية” (متساهلة) بالقدر الذي كانت الأسواق تسعّره في السابق. يُعرف وورش برفضه القاطع لتوسيع الميزانية العمومية للاحتياطي الفيدرالي، وتركيزه الشديد على مخاطر التضخم المحتملة، مما يعزز سيناريو بقاء السياسة النقدية مقيدة نسبياً لفترة أطول من الآن.

وبينما تظل توقعات خفض أسعار الفائدة قائمة (يُتوقع انخفاضان على الأقل خلال عام 2026)، فإن غياب الالتزام الواضح بسياسة تيسير سريعة ومكثفة قلّص الزخم الإيجابي الذي كان مدعوماً برهانات على تحول نقدي مبكر. هذا التحول في التوقعات أدى إلى ضغط هبوطي إضافي على الذهب، الذي عادة ما يستفيد من بيئات تيسير نقدي قوية وخفض سريع للفائدة.

الأحداث الاقتصادية القادمة وتأثيراتها على توقعات أسعار الذهب

على الرغم من التقلبات الحالية، هناك عدة مؤشرات اقتصادية هامة في الأفق قد تؤثر بشكل جوهري على اتجاه الذهب في الأيام والأسابيع المقبلة:

بيانات مبيعات التجزئة الأوروبية: تُصدر منطقة اليورو بيانات مبيعات التجزئة التي تعكس مستوى إنفاق المستهلكين في أكبر اقتصاد أوروبي. قراءة ضعيفة قد تعزز المخاوف بشأن تباطؤ النمو الاقتصادي، مما يدفع المستثمرين للبحث عن الملاذات الآمنة كالذهب.

مؤشر أسعار المستهلكين بمنطقة اليورو: يُعتبر هذا المؤشر مقياساً أساسياً للتضخم، وقراءة مرتفعة قد تؤدي إلى توقعات بتشديد السياسة النقدية الأوروبية، الأمر الذي يدعم قيمة اليورو ويحد من جاذبية الذهب.

بيانات ISM التصنيعية الأمريكية: تُعتبر هذه البيانات مؤشراً رئيسياً لصحة القطاع الصناعي والاقتصاد الأمريكي بشكل عام. قراءة أضعف من التوقعات ستعزز بقوة مخاوف التباطؤ الاقتصادي وتدعم الذهب.

توقعات سعر الذهب الأيام القادمة: السيناريوهات والاستراتيجيات

في الوقت الراهن، يمر الذهب بمرحلة تصحيح عنيف موجهة نحو “تطهير السوق” وملء الفجوات السعرية التي تراكمت خلال موجة الصعود السابقة. هذه العملية تمهد الطريق لبناء قاعدة سعرية جديدة أكثر استقراراً. في هذه الظروف، الاستراتيجية المثلى هي الانتظار والترقب قبل الدخول في مراكز شرائية جديدة.

تُشير حركة السعر الحالية إلى ضرورة الحذر من الشراء المبكر. الخطة الأفضل هي الانتظار حتى يستقر السعر فوق مستوى 4,750 دولار أو ظهور إشارات انعكاس فنية واضحة وموثوقة (مثل شمعة “مطرقة” على الإطار اليومي). على المدى القريب جداً، يبقى المعدن عرضة لتذبذبات حادة بين مستويات الدعم والمقاومة.

من جهة أخرى، توقعات سعر الذهب على المدى الأطول تبقى إيجابية بحذر. فقد أكدت مؤسسات مالية موثوقة مثل بنك ANZ أن الذهب قد يتجاوز مستوى 5,000 دولار للأونصة خلال عام 2026، مدعوماً بالطلب المستمر على الأصول الآمنة. كما أشارت تقارير مجلس الذهب العالمي إلى أن استمرار الضبابية الاقتصادية والتوترات الجيوسياسية يعززان الطلب التحوطي على المعدن.

يرى عدد من محللي السوق أن التصحيح الحالي يمثل فرصة دخول تدريجية، طالما ظلت مستويات الدعم الفنية الحالية محمية. هناك توقع أيضاً بأن السوق قد تدخل مرحلة تماسك (Consolidation) قبل استعادة الزخم الصعودي، خاصة إذا أظهرت بيانات التضخم الأمريكية المقبلة تراجعاً إضافياً أو أكدت توقعات خفض الفائدة لاحقاً في السنة.

بشكل عام، توقعات أسعار الذهب الأيام القادمة تشير إلى أن الضغوط قصيرة المدى ستستمر في إحداث تقلبات وتصحيحات مؤقتة. لكن العوامل الهيكلية الأعمق —التوترات الجيوسياسية المستمرة، الطلب التحوطي المتواصل، وتراكم احتياطيات البنوك المركزية— توفر دعماً أساسياً للمعدن على المدى المتوسط والطويل. هذا يعني أن أي تراجع إضافي سيكون بمثابة فرصة شراء عند المستويات الدعم الفنية المهمة المذكورة سابقاً، على أن يبقى المستثمرون يقظين تجاه تطورات السياسة النقدية والبيانات الاقتصادية الحاسمة.

قد تحتوي هذه الصفحة على محتوى من جهات خارجية، يتم تقديمه لأغراض إعلامية فقط (وليس كإقرارات/ضمانات)، ولا ينبغي اعتباره موافقة على آرائه من قبل Gate، ولا بمثابة نصيحة مالية أو مهنية. انظر إلى إخلاء المسؤولية للحصول على التفاصيل.
  • أعجبني
  • تعليق
  • إعادة النشر
  • مشاركة
تعليق
0/400
لا توجد تعليقات
  • Gate Fun الساخن

    عرض المزيد
  • القيمة السوقية:$0.1عدد الحائزين:1
    0.00%
  • القيمة السوقية:$2.37Kعدد الحائزين:2
    0.00%
  • القيمة السوقية:$2.39Kعدد الحائزين:2
    0.00%
  • القيمة السوقية:$0.1عدد الحائزين:1
    0.00%
  • القيمة السوقية:$0.1عدد الحائزين:1
    0.00%
  • تثبيت