الولايات المتحدة ستواجه نتيجتين محتملتين إذا هاجمت إيران! الأولى، إذا تمكنت الولايات المتحدة في النهاية من إضعاف إيران، فإن مكانتها ستُرسخ تمامًا، ومن بعدها من سيجرؤ على تحدي واشنطن؟ لكن المشكلة أن "إضعاف" إيران كلمة صعبة جدًا، كأنها كالسعي إلى السماء.


دعنا لا نتحدث عن أمور أخرى، فقط نراقب القاعدة الأساسية لإيران، فهي تمتلك مساحة أرض تبلغ 164.5 ألف كيلومتر مربع، وعدد سكانها يقارب 90 مليونًا، وهذا الحجم يختلف تمامًا عن العراق وأفغانستان عندما هاجمتهما الولايات المتحدة في السابق، فهما ليسا في نفس المستوى.
عندما كانت العراق تبلغ حوالي 40 ألف كيلومتر مربع، وعدد سكانها أكثر من 20 مليونًا، وأفغانستان كانت 65 ألف كيلومتر مربع، وعدد سكانها أكثر من 30 مليونًا، استغرقت الولايات المتحدة 8 سنوات في حربها على العراق، و20 سنة في أفغانستان، وفي النهاية انسحبت بخفي حنين دون أن تحقق شيئًا يذكر.
الآن، الاقتصاد الأمريكي يعاني من العديد من المشاكل، من ديون عالية، وتدهور معنويات الشعب، وإذا قررت شن حرب واسعة على إيران، فإن نفقات الحرب ستكون رقمًا فلكيًا، مما سيزيد من معاناة الاقتصاد الأمريكي، وسيزداد معارضة الشعب، ولن يتحمل الحكام هذا الضغط.
الأهم من ذلك، أن إيران ليست هدفًا سهلًا، فهي تمتلك قدرات رد فعل حقيقية. قواتها العسكرية ليست ضعيفة، خاصة صواريخها، التي تتميز بمدى بعيد ودقة عالية، ويمكنها استهداف القواعد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، بل وحتى إسرائيل. وإذا اندلعت الحرب، فإيران ستبدأ باستهداف هذه الأهداف أولًا، وسيكون على القوات الأمريكية وقوات حلفائها في المنطقة أن تدفع الثمن.
وأيضًا، إيران تسيطر على مضيق هرمز، وهو شريان النفط العالمي، وإذا أغلقت إيران هذا المضيق، سترتفع أسعار النفط عالميًا بشكل فوري، وسيتأثر الاقتصاد العالمي بأكمله، كما ستواجه الولايات المتحدة ضغوطًا تضخمية بسبب ارتفاع أسعار الوقود، وهو أمر قاتل بالنسبة لها.
أما الموقف الدولي، فليس هناك العديد من الدول التي تدعم الولايات المتحدة في شن حرب عشوائية. ففي السابق، لم تحظَ الولايات المتحدة بدعم حقيقي من المجتمع الدولي في حربها على العراق وأفغانستان، والآن، إذا قررت مهاجمة إيران، فستواجه معارضة أكبر من دول كثيرة.
روسيا والصين وضحتا موقفهما بضرورة حل النزاعات بالطرق السلمية، ورفض التدخل العسكري، والكثير من دول الاتحاد الأوروبي، بسبب قضايا الطاقة، لا تجرؤ على الوقوف مع أمريكا بسهولة. بدون دعم دولي، ستجد الولايات المتحدة نفسها وحيدة، وستكون في موقف ضعيف على الصعيد الدبلوماسي، مع زيادة الضغوط عليها.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن "إضعاف" دولة ما ليس أمرًا يمكن تحقيقه فقط بالقوة العسكرية. العراق وأفغانستان هما أفضل مثال على ذلك، فالقوات الأمريكية أطاحت بالحكومات الأصلية، لكنها لم تتمكن من بناء نظام مستقر، بل أدت إلى استمرار الفوضى والفقر في هذين البلدين.
إيران تمتلك تاريخًا عريقًا ووحدة وطنية قوية، وشعبها لديه روح وطنية عالية وإصرار على مقاومة الغزو الأجنبي، وحتى لو تمكنت القوات الأمريكية من هزيمة جيشها النظامي مؤقتًا، فإنها لن تستطيع قهر إرادة الشعب الإيراني.
وفي النهاية، ستجد القوات الأمريكية نفسها غارقة في حرب عصابات لا تنتهي، مع خسائر يومية في صفوف الجنود، وهو نوع من الاستنزاف لا تستطيع أمريكا تحمله، وفي النهاية، ستسحب قواتها كما فعلت في أفغانستان، بخيبة أمل.
الاستراتيجية الأمريكية الحالية لم تعد تركز على الشرق الأوسط، بل تركز أكثر على منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وإذا غرقت في مستنقع الحرب مع إيران، فسيؤدي ذلك إلى تشتت الجهود، وتشتت الاستراتيجية العالمية، مما يخل بالتوازنات.
وأيضًا، حلفاء أمريكا ليسوا أغبياء، فهم لن يغامروا بالدخول في هذا المستنقع، وسيكتفون بالدعم اللفظي، وإذا طلب منهم إرسال قوات أو تمويل، فسيختبئون بعيدًا، وتتحمل أمريكا وحدها كل الأعباء.
وفي الحقيقة، أمريكا تدرك جيدًا أن مهاجمة إيران لن يكون في صالحها، فالمخاطر كبيرة جدًا. الآن، تكتفي بفرض العقوبات، وإجراء بعض عمليات الردع العسكرية الصغيرة، وإذا قررت شن حرب واسعة، فسيكون عليها أن تزن العواقب جيدًا.
الادعاءات بأن أمريكا يمكنها إضعاف إيران وإظهار قوتها، كلها أوهام، لأنها لا تفهم الواقع جيدًا، فهي لم تستطع السيطرة على العراق وأفغانستان، فكيف ستسيطر على إيران، التي أكبر وأقوى؟ هذا مجرد حلم بعيد المنال.
باختصار، هجوم أمريكا على إيران لن يحقق هدف إضعافها، بل سيجلب لها مشاكل أكبر، ويستهلك قدراتها، ويزيد من تدهور سمعتها الدولية.
الاحترام الحقيقي لا يُبنى بالقوة، بل بالاحترام لسيادة الدول، وبحل النزاعات بالطرق السلمية. وإذا قررت أمريكا فعلاً استخدام القوة ضد إيران، فستكون بذلك تضر نفسها أكثر مما تنفع.
ETH1.54%
شاهد النسخة الأصلية
post-image
post-image
قد تحتوي هذه الصفحة على محتوى من جهات خارجية، يتم تقديمه لأغراض إعلامية فقط (وليس كإقرارات/ضمانات)، ولا ينبغي اعتباره موافقة على آرائه من قبل Gate، ولا بمثابة نصيحة مالية أو مهنية. انظر إلى إخلاء المسؤولية للحصول على التفاصيل.
  • أعجبني
  • تعليق
  • إعادة النشر
  • مشاركة
تعليق
0/400
لا توجد تعليقات
  • تثبيت