مخطط سعر الذهب على مدى 50 عامًا: من انهيار بريتون وودز إلى الاتجاه الصاعد الحالي

على مدى الخمسين عامًا الماضية، يمكننا أن نرى بوضوح مسارًا طويل الأمد للاتجاه الصاعد للذهب. منذ إعلان الرئيس الأمريكي نيكسون في عام 1971 عن وقف تحويل الدولار إلى ذهب، بدأ الذهب عهدًا جديدًا لتحديد السعر في السوق الحرة، حيث ارتفع من 35 دولارًا للأونصة ليصل إلى أكثر من 5100 دولار اليوم. خلال هذه الخمسين سنة، مر سعر الذهب بعدة دورات كبيرة، وكل ارتفاع وانخفاض يسجل تغيرات في الاقتصاد والسياسة العالمية.

مراجعة ارتفاعات الخمسين عامًا: من 35 دولارًا إلى 5100 دولار

عند توسيع رسم مسار الذهب، نرى أن سعر الذهب من 1971 حتى 2026 ارتفع بأكثر من 145 مرة. خاصة من بداية 2024 عندما كان حوالي 2000 دولار، إلى أن تجاوز 5100 دولار في 2026، خلال عامين فقط، زاد بنسبة تزيد عن 150%، وهو أداء يفوق معظم فئات الأصول في نفس الفترة.

اخترنا عام 1971 كنقطة بداية للتحليل لأنه العام الذي أعلنت فيه الولايات المتحدة رسميًا فك ارتباط الدولار عن الذهب، وتفكك نظام بريتون وودز. قبل ذلك، كان الدولار يُحدد بقيمة ثابتة مقابل الذهب، حيث كانت الأونصة تساوي 35 دولارًا، وكان سعر الذهب ثابتًا. بعد فك الارتباط، دخل الذهب مرحلة تحديد السعر في السوق، وهو ما يمثل بداية سوق الذهب الحديثة.

مقارنة بأداء الأصول الأخرى، ارتفع مؤشر داو جونز خلال نفس الفترة من حوالي 900 نقطة إلى حوالي 46000 نقطة، بزيادة تقارب 51 مرة. من خلال هذه المدة، فإن عائد الاستثمار في الذهب لم يكن أدنى من سوق الأسهم، بل أحيانًا كان أداؤه أفضل. ومع ذلك، لم يكن ارتفاع سعر الذهب دائمًا ثابتًا — ففي الفترة بين 1980 و2000، ظل سعر الذهب يتراوح بين 200 و300 دولار، مع حركة عرضية استمرت نحو 20 سنة، مما يعني أن المستثمرين في الذهب خلال تلك الفترة واجهوا ركودًا طويلًا في العائد.

ثلاث دورات سوق صاعدة رئيسية: خصائص نمطية لمسار سعر الذهب

عند مراقبة رسم مسار الذهب على مدى 50 سنة، يمكن تمييز ثلاث دورات رئيسية للارتفاع، كل واحدة منها مدفوعة بعوامل اقتصادية وسياسية مختلفة.

الدورة الأولى (1971-1980): من أزمة العملة إلى موجة التضخم، بزيادة 24 مرة

بعد إعلان نيكسون فك الارتباط، بدأ الذهب من سعر 35 دولارًا في التحرر، وارتفع ليصل إلى 850 دولارًا للأونصة. كان الارتفاع الأول ناتجًا عن شكوك عميقة من قبل الجمهور حول مصداقية الدولار بعد فك الارتباط — إذ إذا لم يعد الدولار قابلًا للتحويل إلى ذهب، فما قيمته الحقيقية؟ فضلاً عن ذلك، تفضيل المستثمرين للذهب على الدولار كان واضحًا، حيث كانوا يفضلون الاحتفاظ بالذهب بدلاً من أن يكونوا عالقين في الدولار.

تلت ذلك أزمات نفطية، ثورة إيران، غزو الاتحاد السوفيتي لأفغانستان، وغيرها من الأحداث الجيوسياسية التي زادت من أزمة الثقة في الدولار. تضافرت هذه الأحداث مع ارتفاع التضخم، مما دفع سعر الذهب للصعود المستمر. حتى عام 1980، عندما نفذت الاحتياطي الفيدرالي سياسة رفع أسعار الفائدة بشكل حاد (تجاوزت 20%)، وتم السيطرة على التضخم، انهار سعر الذهب بنحو 80%.

الدورة الثانية (2001-2011): أزمة مالية وفترة أسعار فائدة منخفضة، بزيادة 7.6 مرة

بعد انفجار فقاعة الإنترنت في 2001، بدأ سعر الذهب من أدنى مستوى عند 250 دولارًا، وبلغ ذروته عند 1921 دولارًا في سبتمبر 2011، بزيادة تزيد عن 700%، واستمرت لمدة 10 سنوات.

الدافع الرئيسي لهذه الدورة هو ردود الفعل السياسية المتسلسلة. بعد أحداث 11 سبتمبر، أعادت الولايات المتحدة تصور الحرب، وبدأت استراتيجية مكافحة الإرهاب طويلة الأمد، مع إنفاق عسكري هائل أدى إلى خفض أسعار الفائدة من قبل الحكومة الأمريكية. البيئة ذات الفائدة المنخفضة رفعت أسعار العقارات، وفي النهاية، أدت زيادات الفائدة في الولايات المتحدة إلى الأزمة المالية عام 2008. ولإنقاذ النظام المالي، أطلقت الاحتياطي الفيدرالي برامج التيسير الكمي (QE)، مما وفر دعمًا طويل الأمد لسعر الذهب. بعد أزمة ديون أوروبا في 2011، زادت المخاطر، وارتفعت أسعار الذهب إلى أعلى مستوياتها. ثم، مع تدخل الاتحاد الأوروبي وانتهاء برامج التيسير، تراجعت توقعات التضخم، ودخل الذهب سوقًا هابطة استمرت 8 سنوات، حيث خسر أكثر من 45%.

الدورة الثالثة (2019 حتى الآن): زيادة احتياطيات البنوك المركزية وتصاعد التوترات الجيوسياسية، بزيادة أكثر من 300%

بدأ سعر الذهب من مستوى 1200 دولار في 2019، وبلغ أكثر من 5000 دولار في 2026. العوامل الدافعة لهذه الدورة متعددة ومتواصلة: زيادة احتياطيات الذهب لدى البنوك المركزية، حزم التيسير الكمي في 2020، الحرب الروسية الأوكرانية في 2022، الصراعات في فلسطين والبحر الأحمر في 2023، والتوترات الجيوسياسية المستمرة وعدم اليقين الاقتصادي في 2024-2025.

مع دخول 2025، تصاعدت التوترات في الشرق الأوسط، وفرضت الولايات المتحدة رسومًا جمركية، مما زاد من مخاوف التجارة، وزادت تقلبات سوق الأسهم، وضعف مؤشر الدولار، وكلها دفعت سعر الذهب للصعود المستمر. حتى الآن، لم تظهر إشارات على نهاية هذه الدورة الصاعدة.

مستقبل مسار الذهب في ظل الوضع الحالي: هل ستتكرر الدورة الخمسينية؟

من خلال مقارنة الدورات الثلاث، يمكن استنتاج بعض القوانين الأساسية لمسار سعر الذهب.

القانون الأول: أسباب السوق الصاعدة دائمًا مرتبطة بأزمة الثقة والتيسير النقدي

أيًا كانت الدورة، فإنها تبدأ بأزمة ثقة في الدولار: انتهاء نظام الذهب عام 1971، انخفاض أسعار الفائدة في 2001، وتوجه البنوك المركزية نحو التيسير في 2018. عندما يزداد عرض النقود بشكل كبير، ويصبح بيئة الفائدة ميسرة، يزداد جاذبية الذهب كمخزن للقيمة.

القانون الثاني: مراحل السوق الصاعدة تتكون من ثلاث مراحل

عند مراقبة مسار الذهب، نلاحظ أن كل دورة صاعدة تتبع نمطًا مشابهًا: فترة الارتفاع البطيء (تراكم القاع) → مرحلة التسريع (تحفيز الأزمة) → مرحلة الإفراط (الاندفاع للمضاربة). تتراوح مدة كل دورة بين 8 و10 سنوات، ويبلغ معدل الزيادة بين 7 و24 مرة.

القانون الثالث: عادةً ما تنتهي السوق الصاعدة بسياسات تشديد جذرية

كل نهاية دورة صاعدة كانت مرتبطة بتحول في سياسات البنوك المركزية أو الحكومات: رفع الفائدة بشكل حاد في 1980، انتهاء برامج التيسير الكمي في 2011. ومع ذلك، فإن الدورة الحالية تواجه قيودًا غير مسبوقة — حيث وصلت ديون الحكومات في الاقتصادات الكبرى إلى مستويات قياسية، ويصعب على البنوك المركزية تكرار رفع الفائدة بشكل حاد كما في الماضي. هذا يعني أن دورة التشديد التقليدية قد تكون صعبة الحدوث، ومن المرجح أن يتذبذب سعر الذهب ضمن نطاق مرتفع لفترة طويلة، في ما يُعرف بـ"فترة التوطيد عند المستويات العالية". الإشارة الحاسمة لنهاية السوق الصاعدة قد تتطلب ظهور نظام نقدي عالمي جديد وموثوق به، حيث أن استعادة الثقة في النظام النقدي العالمي ستؤدي إلى تراجع جاذبية الذهب كملاذ آمن على المدى الطويل.

التداول على الموجات مقابل الاحتفاظ طويل الأمد: كيف تستثمر في الذهب بشكل صحيح

هل الذهب استثمار جيد؟ الجواب يعتمد على المقارنة والإطار الزمني. على مدى 50 سنة، كانت عوائد الذهب مماثلة للأسهم، لكن خلال الثلاثين سنة الأخيرة، كانت الأسهم أفضل، تليها الذهب، ثم السندات.

أكبر تحدي للاستثمار في الذهب هو أن عوائده تأتي من “الفارق السعري” وليس من “الفوائد”. هذا يحدد نجاح الاستثمار في الذهب بمتى تدخل وتخرج من السوق. إذا اشتريت عند نهاية دورة صاعدة في 1980، فواجهت فترة عرضية استمرت 20 سنة، فحتى مع الصبر، ستخسر قيمة الفرصة. كم من الناس يستطيع الانتظار 20 سنة لتحقيق عائد؟

لذا، فإن الذهب أكثر ملاءمة لـ"التداول على الموجات" بدلاً من “الاحتفاظ طويل الأمد”. فالدورات الصاعدة غالبًا ما تكون مرتبطة بأزمات اقتصادية (تضخم، نزاعات جيوسياسية، تيسير نقدي)، والدورات الهابطة طويلة الأمد. إذا تمكنت من التقاط الموجة الصاعدة، يمكنك تحقيق أرباح كبيرة، وإذا أخطأت، قد تبقى سنوات في حالة ركود.

جدير بالذكر أن الذهب، كمورد طبيعي، يتطلب تكلفة استغلال وتعدين متزايدة مع مرور الوقت. لذلك، حتى بعد انتهاء دورة الصعود وظهور تصحيح، فإن أدنى سعر في كل دورة هبوطية يكون أعلى تدريجيًا. هذا يعني أن الذهب لن يصبح بلا قيمة، والمخاطر نسبياً يمكن السيطرة عليها، لكن المفتاح هو فهم نمط الحد الأدنى للسعر.

طرق الاستثمار في الذهب: مقارنة بين خمس مسارات

هناك عدة طرق للاستثمار في الذهب، وكل منها له مميزاته وعيوبه:

الذهب المادي: سهل التمويه وحفظ الأصول، وله قيمة جمع، لكنه قليل السيولة وتكاليفه مرتفعة.

شهادة الذهب: تمثل وثيقة لحفظ الذهب، سهلة الحمل، لكن فروق السعر بين الشراء والبيع كبيرة، ولا توفر عائدًا، وتناسب بشكل أكبر الادخار طويل الأمد.

صناديق ETF للذهب: أكثر سيولة من الشهادات، سهلة التداول، وتوضح كمية الأونصات المملوكة، لكن تديرها شركات وتفرض رسوم إدارة، ومع استمرار السوق في التذبذب، قد تتآكل القيمة تدريجيًا.

عقود الذهب الآجلة / العقود مقابل الفروقات (CFD): أدوات تداول مرنة جدًا، تدعم البيع والشراء، وتستخدم هامشًا منخفضًا، مما يجعلها مناسبة للتداول على الموجات القصيرة، وتوفر استغلال رأس المال بشكل كبير، مع حد أدنى منخفض للشراء (حتى 0.01 عقد)، مع رافعة تصل إلى 1:100، وتتيح الدخول والخروج في أي وقت بسرعة عالية جدًا (عادة أقل من 0.01 ثانية).

الاختيار الموصى به: إذا كنت تتوقع أن يكون للذهب قيمة تحوط طويلة الأمد، فاختر الشهادات أو ETF؛ وإذا كنت تركز على الأرباح من الموجات القصيرة، فاختر العقود الآجلة أو CFD، وخصوصًا الأخير لأنه يوفر مرونة وتكلفة منخفضة.

الذهب مقابل الأسهم مقابل السندات: خيارات التخصيص في العصر الحديث

كل فئة من الأصول تحقق عائدات وفق منطق مختلف تمامًا. الذهب يحقق عائدًا من “الفارق السعري”، لذا توقيت الدخول والخروج مهم جدًا؛ السندات تدر عائدًا من “الفوائد”، وتحتاج إلى تراكم وحدات وتوافق مع السياسات؛ الأسهم تعتمد على “نمو الشركات”، وتحتاج إلى اختيار الشركات طويلة الأمد. من حيث الصعوبة، السندات أسهل، تليها الذهب، ثم الأسهم هي الأصعب.

قاعدة التخصيص الأساسية في العصر الحديث هي: الأسهم في فترات النمو الاقتصادي، والذهب في فترات الركود الاقتصادي.

عندما يكون الاقتصاد جيدًا، تتوقع أرباحًا جيدة للشركات، وتكون الأسهم أكثر جاذبية، بينما السندات والذهب أقل طلبًا. وعلى العكس، في فترات الركود، تقل جاذبية الأسهم، ويصبح الذهب والسندات أدوات الحماية المفضلة.

أظهرت الحرب الروسية الأوكرانية، والتضخم، ودوارات رفع الفائدة أن السوق يتغير بسرعة، والأحداث الكبرى قد تغير أداء الأصول فجأة. لمواجهة المفاجآت، من الحكمة تنويع المحفظة بين الأسهم والسندات والذهب، لتقليل مخاطر تقلبات أي فئة، وجعل الاستثمار أكثر استقرارًا.

وبناءً على مستوى المخاطر والأهداف، يمكن تعديل نسب التخصيص بين الفئات الثلاث بشكل مرن، وهو أكثر حكمة من التركيز على أصل واحد فقط. الذهب، كجزء من التوزيع الاستراتيجي، أثبت على مدى 50 سنة قدرته على الحفاظ على القيمة والابتعاد عن التضخم، كملاذ آمن على المدى الطويل.

شاهد النسخة الأصلية
قد تحتوي هذه الصفحة على محتوى من جهات خارجية، يتم تقديمه لأغراض إعلامية فقط (وليس كإقرارات/ضمانات)، ولا ينبغي اعتباره موافقة على آرائه من قبل Gate، ولا بمثابة نصيحة مالية أو مهنية. انظر إلى إخلاء المسؤولية للحصول على التفاصيل.
  • أعجبني
  • تعليق
  • إعادة النشر
  • مشاركة
تعليق
0/400
لا توجد تعليقات
  • Gate Fun الساخن

    عرض المزيد
  • القيمة السوقية:$2.37Kعدد الحائزين:0
    0.00%
  • القيمة السوقية:$2.36Kعدد الحائزين:0
    0.00%
  • القيمة السوقية:$2.37Kعدد الحائزين:2
    0.00%
  • القيمة السوقية:$0.1عدد الحائزين:0
    0.00%
  • القيمة السوقية:$0.1عدد الحائزين:1
    0.00%
  • تثبيت