من خمسة دولارات إلى مليون حلم: أسطورة البيع على المكشوف وتناقضات الإنسانية

جيسي ليفرمور كانت حياته ملحمة عن عبقرية مالية وضعف الإنسان. نشأ كابن فلاح فقير، وأصبح “ملك البيع على المكشوف في وول ستريت”، وحقق ثروة تعادل اليوم مليار دولار في صفقة واحدة، لكنه أنهى حياته تحت وطأة الاكتئاب. قصته ليست فقط عن الربح في السوق، بل عن كيف يمكن لموهبة أن تدمرها الرغبة والغرور.

الطموح الصغير: من فلاح فقير إلى مبتدئ في وول ستريت

وُلد عام 1877 في ماساتشوستس في أسرة فلاح فقيرة، وتعلم القراءة والكتابة وهو في الثالثة والنصف، وبدأ قراءة الصحف المالية وهو في الخامسة. أظهر موهبة رياضية ورياضيات استثنائية، لكن القدر بدا محتوماً عليه — طلب والده أن يرث حياة الفلاح.

في ربيع 1891، رفض ليفرمور هذا القدر. تحت تشجيع والدته، جمع سرًا 5 دولارات (ما يعادل 180 دولارًا حاليًا)، وبهذا القرار غير مجرى التاريخ في وول ستريت. انطلق وهو يحمل هذا المبلغ الضئيل، وركب عربات وقطارات، وتوجه إلى بوسطن.

لم يذهب إلى أقارب العائلة كما أوصته والدته، بل توقف أمام مبنى شركة باين ويبر للسمسرة. جذب انتباهه أرقام تتراقص على الشاشة. بملامح ناضجة نسبياً، نجح في التوظيف كمسجل لأسعار الأسهم. من تلك اللحظة، بدأ مسيرته المالية، فشاب من الفلاحين على وشك اكتشاف رموزه الخاصة في السوق.

اكتشاف الرمز: فك شفرة روح السوق بالأرقام

خلال عمله اليومي على شاشة الأسعار، اكتشف ليفرمور أن هناك أنماطاً لا يراها الآخرون. بدأ بتسجيل الأرقام التي تتقلب بشكل عشوائي، ورسم خطوط الأسعار على دفتر مربعات، بحثاً عن نمط.

الأنماط التي اكتشفها شملت:

  • أن أسعار الأسهم لا تتقلب عشوائياً، بل تتبع إيقاعاً معيناً — بعض التشكيلات تتكرر، كأنها أنماط ثابتة في لعبة الورق. سعر سكة حديد يونيون باسيفيك يتذبذب غالباً عند 11:15 صباحاً و2:30 بعد الظهر، وكأنه يتأثر بموجة غير مرئية. عندما يتلقى السمسار أوامر شراء كبيرة، يتبعها دعم سعر معين. بعض الأسهم تتراجع بمقدار ثلثي الموجة السابقة، وهو ما يُعرف لاحقاً بـ"تصحيح فيبوناتشي".

  • من خلال مراقبة طويلة الأمد، عندما سجل أسعار العقود الآجلة للقطن، أدرك أن الأرقام تتنفس — تصعد كالسلم، وتهبط ككومة ثلج مكسورة. في تلك اللحظة، استشعر ليفرمور “تدفق الطاقة” في السوق، وفهم قوانينها. هذه الأنماط أصبحت فيما بعد أساس نظرية التحليل الفني.

بعد هذا الإدراك، قرر أن يختبر استراتيجياته في الميدان. وجد شركة مراهنات — حيث لا يشتري أو يبيع الأسهم مباشرة، بل يراهن على تحركاتها، وهو ما يشبه العقود الآجلة الحديثة. استثمر 5 دولارات، وحقق ربحاً قدره 3.12 دولار. بعد تذوق النجاح، بدأ يراهن وهو يعمل، حتى استقال من شركة باين ويبر وهو في السادسة عشرة، وأصبح متداولاً محترفاً.

لكن ثمن النجاح كان الحسد. لأنه كان دائماً يربح، قررت شركة المراهنات في بوسطن منعه — حظرته من دخول أي شركة مراهنات. قبل أن يبلغ العشرين، أصبح منبوذاً من المقامرة، لكنه جمع رأس مال يقارب 10,000 دولار، يعادل اليوم حوالي 300 ألف دولار.

الظهور الأول: أول صفقة بيع على المكشوف في زلزال 1906

في عام 1899، وهو في عمر 23، وصل ليفرمور إلى نيويورك، الساحة المالية الأكبر. هناك، تعرف على فتاة هندية تدعى ناتي جوردان، وتزوجا بسرعة. لكن سوق نيويورك كان أكثر تعقيداً من بوسطن، وارتكابه أخطاء عدة بسبب اعتماد على بيانات متأخرة (تتأخر 30-40 دقيقة). خلال عام واحد، تعرض لأول مرة للإفلاس. حاول أن يقترض من ناتي، لكن رفضت. بعد سبع سنوات، انفصل عنها.

خلال تلك السنوات، تعلم من أخطائه، وأعاد بناء مسيرته بثبات. بحلول 1906، كان قد جمع 100 ألف دولار. لكنه لم يشعر بالرضا، بل بدأ يعاني من قلق عميق — بدأ يشك في أن استراتيجيته المحافظة تقتصر على الربح، لكنه غير سعيد. قرر أن يذهب إلى منتجع بالم بيتش ليتنفس.

وفي أثناء استرخائه على الشاطئ، قرر أن يضع صفقة ستغير حياته.

في 18 أبريل 1906، وقع زلزال بقوة 7.9 في سان فرانسيسكو. دمر المدينة، وأصبح سكة حديد يونيون باسيفيك، أكبر مركز نقل في الغرب، معرضة لخسائر فادحة. كانت التوقعات أن أسهم السكك ستصعد مع إعادة البناء، لكنه رأى عكس ذلك.

اكتشف من خلال البحث الميداني أن الزلزال أدى إلى انخفاض مؤقت في حمولة السكك، وأن شركات التأمين ستدفع مبالغ ضخمة، مما قد يدفعها لبيع الأسهم لجني الأرباح، وأن البيانات المالية للشركات ستكون أقل من التوقعات. من الناحية الفنية، بعد الزلزال، ارتفعت الأسهم مؤقتاً (مشاعر التفاؤل)، لكن حجم التداول بدأ يتراجع، مما يدل على ضعف الطلب.

قرر أن يخطط لعملية بيع على المكشوف بشكل دقيق. بدأ ببناء مراكز من خلال عدة وسطاء، مستخدماً رفعاً للرافعة المالية مع إدارة مخاطر صارمة، ووزع استثماراته على مراحل خلال ثلاثة أشهر. في أبريل ومايو، بدأ ببناء مركز بيع عند 160 دولاراً. في يونيو، بعد إعلان الشركة عن خسائر، زاد مراكزه، وانخفض السعر إلى أقل من 150 دولاراً. في يوليو، بدأ السوق ينهار، وانخفض السعر إلى أقل من 100 دولار. أغلق مراكزه عند 90 دولاراً، محققاً ربحاً يزيد عن 250 ألف دولار، يعادل اليوم حوالي 7.5 مليون دولار.

الاستراتيجية التي اتبعها كانت:

  • “الصفقة عند النقاط الحرجة” — انتظار تأكيد الاتجاه الهابط قبل البيع.
  • فهم نفسيات السوق — كان يعلم أن “الأخبار الجيدة غالباً تسبق الأخبار السيئة”، وأن التفاؤل في البداية يخفي الكوارث.
  • إدارة المخاطر الصارمة — رغم الرافعة، كان يحتفظ دائماً برأس مال احتياطي، لتجنب الخروج المبكر من السوق.

معركة التتويج: ربح 3 ملايين دولار خلال ثلاثة أيام في 1907

انتصاره في 1906 جعله مشهوراً، لكنه لم يحقق ذروته بعد. في 1907، اكتشف أزمة أكبر — حيث كانت شركات الثقة في نيويورك تستثمر بشكل مفرط في سندات غير موثوقة، وتعتمد على اقتراض قصير الأجل. ارتفعت أسعار الفائدة بين البنوك من 6% إلى 100%، وهو مؤشر على أزمة سيولة وشيكة.

تسلل ليفرمور بشكل سري، وتحقق من صحة المعلومات عن طريق تنكر كعميل، ووجد أن الضمانات ضعيفة جداً. كان يعلم أن الانهيار وشيك.

في 14 أكتوبر، هاجم علناً شركة نيكربورك الثقة، وبدأ سحب الودائع. خلال ثلاثة أيام، أعلنت الشركة إفلاسها، وبدأ الذعر يتسرب إلى السوق. قام ببيع مراكز على شركات كبرى مثل يونيون باسيفيك، ستيل، وشراء خيارات بيع، مع تجنب الكشف عن نواياه.

في 22 أكتوبر، جاء الحسم. استغل قواعد التسوية خلال 24 ساعة (T+0)، وركز على البيع قبل إغلاق السوق، واستخدم تقنية “الهرم” لزيادة مراكزه بعد تحقيق الأرباح، مما أدى إلى تفعيل أوامر وقف الخسارة الآلية، وسرّع انهيار السوق.

في 24 أكتوبر، بلغ الذعر ذروته. طلب رئيس بورصة نيويورك من ليفرمور التوقف عن البيع على المكشوف، وإلا ستنهار السوق تماماً. هبط مؤشر داو جونز بنسبة 8% في يوم واحد، وتدخلت مجموعة مورغان لإنقاذ السوق. كان ليفرمور دقيقاً في توقيت خروجه، حيث أغلق 70% من مراكزه قبل أن تتدخل مورغان. عند استقرار السوق في 30 أكتوبر، أغلق جميع مراكزه.

الربح الإجمالي: 3 ملايين دولار، يعادل اليوم حوالي 100 مليون دولار.

هذه المعركة عززت سمعته كـ"ملك البيع على المكشوف في وول ستريت"، وأكدت له أهمية المعلومات. بعدها، بنى شبكة معلومات خاصة به، وأصبحت جزءاً أساسياً من نظامه التداولي.

فخ الإنسان: خداع القطن وغرور ليفرمور

الثراء الذي حققه جعله يستمتع بالحياة. اشترى يختاً بقيمة 20 ألف دولار، وقطاراً خاصاً، وبيتاً فاخراً في الويست سايد. انضم لأرقى النوادي، وارتبط بعشرات العشيقات. لكن خلف هذه الرفاهية، بدأت تظهر نقاط ضعف الإنسان.

خلال السنوات التالية، أقام علاقات مع خبراء القطن، مثل تيدي برايس، الذي كان يملك معلومات مباشرة عن السوق. لكنه لعب لعبة خطيرة — أعلن علناً عن توقعات إيجابية للقطن، وفي الخفاء، تعاون مع المزارعين لبيع على المكشوف. استغل ليفرمور رغبة برايس في إثبات قدرته على التلاعب بالسوق، وصدق توقعاته، رغم أن بياناته كانت تتعارض مع الواقع. في النهاية، امتلك 300 ألف عقد من القطن، وخسر 300 مليون دولار (ما يعادل أرباحه من البيع على المكشوف عام 1907).

هذه الخسارة دفعت ليفرمور إلى تصفية مراكزه الأخرى، وأدت إلى إفلاسه في 1915-1916. والأهم، أنه خالف قواعده الثلاثة: عدم الثقة بالآخرين، وعدم تغطية الخسائر، وعدم السماح للقصص الأساسية أن تتفوق على إشارات السوق.

هذه ليست فقط خيانة من صديق، بل عقاب ذاتي لموهبة، وسقوط حتمي للمتكبر.

الهجوم النهائي: استخدام حديد بيرلي هاربر للانتقام

بعد إفلاسه الأخير في 1934، قرر ليفرمور أن يغير حياته تماماً. طلب حماية الإفلاس، ووافق على شروط مع الدائنين، واحتفظ بـ5 آلاف دولار فقط للمعيشة. حصل على قرض سري من خصمه السابق، دانييل ويليامسون، لكن بشرط أن تتم جميع صفقاته عبر شركته، مما جعله تحت رقابة صارمة.

باستخدام رافعة مالية 1:5، وقيود على حجم الصفقات، بدأ يعيد بناء نظامه. مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، أدرك أن هناك فرصة، فبدأ يشتري أسهم شركة بيرلي هاربر، التي لم تكن تعكس بعد أرباح الحرب. تسربت تقارير غير معلنة، وبدأت الأسهم ترتفع. في يوليو 1915، بدأ بمركز عند 50 دولاراً، وزاد حتى 60، ثم 70، حتى وصل إلى 700 دولار في يناير التالي، محققاً أرباحاً 14 ضعف رأس ماله، ورافعاً 300 ألف دولار إلى 4.2 مليون.

الثروة التي تتلاشى: من الملياردير إلى الفقر المدقع

على مدى عقود، استمر في التداول، وحقق أرباحاً هائلة، منها 100 مليون دولار عام 1925، و1 مليار دولار عام 1929 من خلال البيع على المكشوف. لكن، مع الطلاق، والضرائب، والإنفاق المفرط، تبخرت ثروته.

بعد طلاقه من ناتي جوردان، تزوج من راقصة، وأنجب أطفالاً، لكنه كان على علاقة مع مغنية أوبرا أوروبية، واشترى يختاً باسمها. في النهاية، تدهورت حالته المالية، وبدأ يعيش في فقر مدقع.

في 1931، طلق زوجته الثانية، ودفع لها 10 ملايين دولار، وبيعت ممتلكاته مقابل 22 ألف دولار، بعد أن كانت قيمتها 3.5 مليون. منزله الفاخر، الذي كان يملؤه الخدم، أصبح أثراً بعد عين. حتى مجوهراته وخواتم زواجه التي اشتراها، بيعت بأبخس الأثمان، مما سبب له جرحاً نفسياً عميقاً.

في 1932، وهو في الخامسة والخمسين، تعرف على امرأة أصغر منه بثلاثة عشر عاماً، كانت تُعرف بـ"الأرملة الاجتماعية". اعتقدت أن ثروته لا تزال هائلة، لكنه كان مديوناً بمبلغ 2 مليون دولار. بعد إفلاسه، اضطرا للانتقال من شقتهما في مانهاتن، وبيعا مجوهراتهما.

وفي 11 نوفمبر 1940، أقدمت زوجته على الانتحار في فندق، وكتبت أن “لا طاقة لها على الفقر وإدمانه”. هو كتب في مذكراته: “أنا قتلت كل من اقترب مني.”

الطلقة الأخيرة: نهاية عبقري

في 28 نوفمبر 1941، قبل عيد الشكر بيوم، في غرفة ملابس فندق شيري-هولاند في نيويورك، سُمع صوت إطلاق نار. كانت زوجته الثالثة، هاريت، قد انتحرت قبل عام في نفس الفندق. غارقاً في الاكتئاب، أطلق ليفرمور النار على نفسه بمسدس كولت 32، وهو نفس السلاح الذي اشترى بعد صفقة 1907.

ترك على ورقة ملاحظات ثلاث كلمات:

“حياتي فاشلة”

“مللت من القتال، لا أستطيع التحمل”

“هذه هي الطريقة الوحيدة”

كان معه 8.24 دولارات فقط، وتذكرة سباق خاسرة منتهية الصلاحية. حضر جنازته 15 شخصاً، منهم اثنان من الدائنين. لم يكن على قبره نقش، حتى عام 1999، حينما جمع معجبوه تبرعات لكتابة: “حياته أثبتت أن أشرس سلاح في السوق هو نفسه الذي يوجهه نحو نفسه.”

إرث ليفرمور: قيمة “كتاب التداول” الأبدية

مر ليفرمور بأربع حالات إفلاس، ووقف أربع مرات من جديد. أساليبه ومبادئه أصبحت مرجعاً لخبراء الاستثمار مثل وارن بافيت، جورج سوروس، بيتر لينش، وأطلقوا عليه “الكتاب المقدس للتداول”. رغم أن حياته انتهت مأساوياً، إلا أن حكمته لا تزال تتلألأ بعد 120 عاماً:

  • “اشترِ الأسهم الصاعدة، وبيع الأسهم الهابطة.” — قاعدة بسيطة تعلم أهمية اتباع الاتجاه.

  • “تداول فقط عندما يكون هناك اتجاه واضح.” — الصبر في السوق المتقلب هو مفتاح البقاء.

  • “وول ستريت لم تتغير أبداً. الجيوب تغيرت، والأسهم تغيرت، لكن الإنسان لم يتغير.” — أعمق رؤيته، أن جوهر السوق هو تكرار طبيعة الإنسان.

  • “على المستثمر أن يحذر من نفسه قبل غيره.” — درسه أن الطمع والغرور هما أكبر أعدائه.

  • “السوق دائماً على حق، فقط الإنسان يخطئ.” — عند الفشل، لا تلوم السوق، بل نفسك.

  • “الربح الكبير يتطلب الانتظار، وليس التداول المتكرر.” — تباين مع موجة التداول اليومي.

  • “المضاربة أمتع لعبة في العالم، لكن الأحمق لا يلعب، والكسول لا ينبغي أن يلعب، والضعيف نفسياً لا يُسمح له.” — تحذير نهائي لكل مستثمر.

حياة ليفرمور كانت مأساة عن عبقرية، رغبة، نظام، وطبيعة بشرية. اكتشف رموز السوق، لكنه لم يستطع فك رموز النفس البشرية. أثبت أن القوانين يمكن أن تربح وول ستريت، لكنها لا تنقذ الإنسان. تذكر قصته كل من يشارك في السوق: أن نظام التداول الناجح يربحك المال، لكن الفهم الذاتي هو الذي يربحك الحياة.

شاهد النسخة الأصلية
قد تحتوي هذه الصفحة على محتوى من جهات خارجية، يتم تقديمه لأغراض إعلامية فقط (وليس كإقرارات/ضمانات)، ولا ينبغي اعتباره موافقة على آرائه من قبل Gate، ولا بمثابة نصيحة مالية أو مهنية. انظر إلى إخلاء المسؤولية للحصول على التفاصيل.
  • أعجبني
  • تعليق
  • إعادة النشر
  • مشاركة
تعليق
0/400
لا توجد تعليقات
  • Gate Fun الساخن

    عرض المزيد
  • القيمة السوقية:$2.42Kعدد الحائزين:0
    0.00%
  • القيمة السوقية:$2.37Kعدد الحائزين:1
    0.00%
  • القيمة السوقية:$2.38Kعدد الحائزين:0
    0.00%
  • القيمة السوقية:$2.37Kعدد الحائزين:0
    0.00%
  • القيمة السوقية:$2.36Kعدد الحائزين:0
    0.00%
  • تثبيت