باعتبارها ثاني أكبر عملة احتياطية عالمياً، دخل اليورو حيز التداول الرسمي منذ عام 2002، ومرّ بأكثر من ربع قرن غير عادي. خلال هذه الفترة، شهد اليورو تقلبات حادة على مدى عشر سنوات، وكل منعطف كان يخفي وراءه تغييرات عميقة في النظام الاقتصادي العالمي. من الأزمة المالية عام 2008 إلى أزمة الطاقة عام 2022، يُختصر هذا المسار الذي استمر لعشرين عاماً في تقلبات الاقتصاد العالمي. ستتناول هذه المقالة أهم اللحظات في مسيرة اليورو خلال العشر سنوات الماضية، لاستكشاف فرص الاستثمار المستقبلية لهذا العملة الاحتياطية الدولية.
أهم ثلاث محطات تحول في مسيرة اليورو خلال العشر سنوات الماضية
لفهم اتجاه اليورو المستقبلي، من الضروري مراجعة خارطته السابقة. خلال العقد الأخير، مرّ اليورو بثلاث تحولات رئيسية غيرت توقعات المستثمرين.
الذروة التاريخية عام 2008: إشارة الأزمة وراء مستوى 1.6038
نعود إلى يوليو 2008، حين وصل سعر صرف اليورو مقابل الدولار إلى أعلى مستوى له على الإطلاق عند 1.6038. لكن، على الرغم من هذا المجد الظاهر، كان هذا بمثابة إنذار مبكر لزواله. ففي ذلك الوقت، كانت أزمة الرهون العقارية الثانوية في الولايات المتحدة تتفجر بشكل كامل، مما أدى إلى انتشار سريع للأزمة المالية عالمياً، ولم تنج أوروبا من التداعيات.
بدأ انهيار النظام المصرفي من وول ستريت، لكنه تكرر في أوروبا. بسبب علاقات الأعمال العميقة بين المؤسسات المالية الكبرى في أوروبا والبنوك الأمريكية، أدت خسائر الأصول الناتجة عن أزمة الرهن العقاري إلى تأثيرات مباشرة على النظام المصرفي الأوروبي. كان إفلاس بنك ليمان براذرز نقطة تحول، حيث كسر الثقة في مبدأ “الضخم الذي لا يُقهر”، وفرضت مخاوف المخاطر على السوق سيطرة كاملة على المشهد المالي.
تبع ذلك تشديد الائتمان، حيث أصبح البنوك أكثر حذراً، وواجهت الشركات والمستهلكون صعوبة في الحصول على القروض. تراجعت الاستثمارات وتقلصت الإنفاقات، مما أدخل منطقة اليورو في ركود اقتصادي. اضطرت الحكومات إلى تنفيذ برامج تحفيزية، مما أدى إلى زيادة العجز المالي والديون العامة بشكل كبير. استجابةً لهذه الأزمة، أنهت البنك المركزي الأوروبي دورة رفع الفائدة في يوليو 2008، وبدأ بعدها بسرعة في خفض الفوائد وتفعيل برامج التيسير الكمي. على المدى القصير، وفرت هذه السياسات السيولة، لكنها زرعت بذور تراجع قيمة اليورو.
الارتداد من أدنى مستوى 2017: فرصة بعد مستوى 1.034
ننتقل إلى يناير 2017، بعد أن استمرت اليورو في الانخفاض لمدة تقارب تسع سنوات، حيث وصل سعر الصرف إلى أدنى مستوى عند 1.034. من مستوى 1.6038 في 2008 إلى 1.034، فقد اليورو أكثر من 35%، وهو تراجع غير معتاد في سوق العملات.
لكن عند هذا الحد، بدأت ظروف انتعاش اليورو تتشكل. أولاً، تم حل جزء كبير من الأزمة المالية الأوروبية. بدأ مؤشر مديري المشتريات الصناعي (PMI) في الارتفاع تدريجياً منذ بداية 2018، وانخفض معدل البطالة في منطقة اليورو إلى أقل من 10%، وأظهرت البيانات الاقتصادية علامات واضحة على التحسن. بدأ تأثير سياسات البنك المركزي الأوروبي طويلة الأمد، مثل الفوائد السلبية وبرامج التيسير الكمي، يظهر، وبدأ السوق يثق تدريجياً في تعافي الاقتصاد الأوروبي.
كما أن عام 2017 كان عاماً حاسماً في السياسة الأوروبية. فاز مرشحو الأحزاب المؤيدة لأوروبا في الانتخابات في فرنسا وألمانيا، مما عزز استقرار الحكومات المؤيدة للاتحاد الأوروبي. وفي الوقت نفسه، بدأت مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد (بريكست) في فبراير، وبدأت تتلاشى المخاوف الشديدة من الانفصال، مما عزز ثقة المستثمرين في مستقبل الاتحاد الأوروبي، وأدى إلى تدفقات استثمارية جديدة.
الأهم من ذلك، أن الاقتصاد الأمريكي كان يواجه حالة من عدم اليقين. مع تولي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة في يناير، زادت المخاوف من السياسات الأمريكية المستقبلية. في ظل هذا المناخ، جذبت الأصول اليوروبية، التي تعتبر أكثر أماناً، بعض التدفقات المالية. كل هذه العوامل دفعت اليورو للانتعاش من مستوى 1.034، وأسست لمرحلة ارتفاع لاحقة.
أدنى مستوى 2022 والانتعاش: صدمة الجغرافيا السياسية والانتعاش
في سبتمبر 2022، وصل اليورو مرة أخرى إلى أدنى مستوى عند 0.9536، مسجلاً أدنى مستوى منذ عشرين عاماً. وكان السبب الرئيسي هو اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.
أدت الحرب إلى انقطاع إمدادات الغاز والنفط من روسيا إلى أوكرانيا، وارتفعت أسعار الطاقة في أوروبا بشكل كبير خلال النصف الأول من 2022، مما زاد من التضخم، ورفع تكاليف الشركات، وأدى إلى مخاوف من ركود اقتصادي شامل. في الوقت ذاته، زادت المخاوف من الأمان، وارتفعت قيمة الدولار كملاذ آمن، بينما تراجعت قيمة اليورو نسبياً.
لكن، سرعان ما ظهرت بوادر تعافي. مع مرور الوقت، بدأ سلاسل التوريد العالمية في التكيف، وانخفضت أسعار الغاز والنفط في النصف الثاني من 2022. والأهم، أن البنك المركزي الأوروبي قام في يوليو وسبتمبر برفع أسعار الفائدة، منهياً بذلك ثماني سنوات من الفوائد السلبية. هذه الخطوة أرسلت رسالة واضحة للسوق عن عزم البنك على كبح التضخم من خلال تشديد السياسة النقدية. رغم أن الأزمة بين روسيا وأوكرانيا لم تتغير بشكل كبير، إلا أن وتيرة التصعيد لم تتسارع، وقلّت المخاوف من الملاذ الآمن، مما ساعد على انتعاش اليورو من مستوى 0.9536.
تحليل عميق: العوامل الأساسية والسياسات
كل منعطف في مسيرة اليورو خلال العشر سنوات الماضية يعكس تغيرات في الأساسيات الاقتصادية الأوروبية وتعديلات في سياسات البنك المركزي. لفهم الاتجاه المستقبلي، من الضروري استيعاب هذه العوامل العميقة.
سياسات البنك المركزي الأوروبي: الحصن الأخير لدعم اليورو
على مدى العقد الماضي، كانت سياسات البنك المركزي الأوروبي العامل الأهم في تحديد سعر صرف اليورو. من خفض الفوائد بشكل حاد واتباع التيسير الكمي في 2008، إلى دورة رفع الفوائد في 2022، كل تحرك من البنك الأوروبي كان يعيد صياغة توقعات السوق.
من الجدير بالذكر أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بدأ في نهاية 2023 في تبني سياسة أكثر تيسيراً، مع إشارات إلى قرب انتهاء دورة رفع الفوائد. لكن، مع استمرار ضغوط التضخم في أوروبا، ظل البنك الأوروبي حذراً في إنهاء دورة رفع الفوائد. رغم أن فوائد اليورو أقل من الدولار، إلا أن قرار البنك الأوروبي بالحفاظ على معدلات فائدة مرتفعة نسبياً يساهم في دعم اليورو. التجربة التاريخية تظهر أنه عندما يبدأ الفيدرالي الأمريكي في خفض الفوائد، غالباً ما يتراجع مؤشر الدولار خلال 3-5 سنوات، مما ينعكس إيجابياً على اليورو.
تقلبات الاقتصاد العالمي والفرص
تؤثر دورة الاقتصاد العالمية بشكل مباشر على الطلب على منتجات منطقة اليورو. إذا استمر النمو العالمي بقوة، فإن مكانة أوروبا كمحرك رئيسي للاقتصاد العالمي ستدعم ارتفاع اليورو. وعلى العكس، فإن تباطؤ النمو قد يدفع الأموال للعودة إلى أمريكا، مما يضغط على اليورو.
التحديات الحالية واضحة. فاقتصاد منطقة اليورو يقترب من الركود، مع مشاكل في هيكلية الصناعة، وزيادة المخاطر الجيوسياسية، مثل استمرار الصراع الروسي الأوكراني وعدم استقرار الأوضاع في الشرق الأوسط، كلها تضعف ثقة المستثمرين. تراجع مؤشر مديري المشتريات الصناعي إلى أقل من 45 يعكس احتمالية تدهور الاقتصاد خلال الأشهر القادمة.
فرص الاستثمار في اليورو بين 2026 و2031: تفاؤل أم تشاؤم؟
بالنظر إلى بداية 2026، يتطلب تقييم فرص الاستثمار في اليورو خلال السنوات الخمس القادمة موازنة بين التفاؤل والحذر.
عوامل تدعم ارتفاع اليورو:
استمرار سياسة الفوائد المرتفعة للبنك الأوروبي، مما يخلق فارق فوائد إيجابي مقابل الدولار
بدء دورة خفض الفوائد في الولايات المتحدة، مما يضغط على مؤشر الدولار
إصلاحات هيكلية في الاقتصاد الأوروبي، مع توقعات بانتعاش النمو على المدى المتوسط والطويل
مخاطر تضعف اليورو:
استمرار المخاطر الجيوسياسية، خاصة الحرب الروسية الأوكرانية
تباطؤ النمو الاقتصادي في منطقة اليورو، وتراجع القدرة التنافسية
حدوث أزمة مالية كبرى، قد تؤدي إلى تدفقات هائلة نحو الدولار، وارتفاعه بشكل كبير
بناءً على ذلك، يُرجح أن يتسم مسار اليورو خلال السنوات الخمس القادمة بـ"تقلبات تصاعدية". قد يواجه النصف الأول من الفترة ضغوطاً، لكن مع تراجع الفوائد الأمريكية تدريجياً، ودعم سياسات البنك الأوروبي، من المتوقع أن يبدأ اليورو في الارتفاع تدريجياً من النصف الثاني من 2026. هذا الاتجاه التصاعدي قد يستمر حتى يبدأ البنك الأوروبي في خفض الفوائد بشكل كبير، مع ضرورة الحذر من أي أحداث جيوسياسية أو مالية قد تعطل هذا السيناريو.
كيف يشارك المستثمرون التايوانيون في سوق اليورو
بالنسبة للمستثمرين التايوانيين، هناك عدة طرق للمشاركة في استثمار اليورو، ولكل منها مميزاتها وعيوبها.
الطريقة الأولى: حسابات الصرف الأجنبي في البنوك
فتح حساب صرف أجنبي في بنك تجاري أو بنك دولي، وإجراء عمليات شراء وبيع العملات التقليدية. الميزة هي الأمان، لكن العيب هو ارتفاع الحد الأدنى للاستثمار، وغالباً لا يمكن البيع على المكشوف، مما يقلل من مرونة التداول.
الطريقة الثانية: وسطاء الفوركس (منصات العقود مقابل الفروقات CFD)
توفرها شركات الوساطة الدولية، وتعد خياراً جيداً للمستثمرين الصغار والمتداولين القصيرين. الميزة هي انخفاض الحد الأدنى، والمرونة في التداول، وإمكانية البيع على المكشوف، لكن المخاطر عالية بسبب الرافعة المالية، وتتطلب إدارة مخاطر جيدة.
الطريقة الثالثة: خدمات الفوركس من شركات الأوراق المالية التايوانية
بعض شركات الأوراق المالية تقدم خدمات تداول العملات الأجنبية، وتجمع بين أمان التداول في الأسهم ومرونة استثمار العملات، لكن الخيارات محدودة نسبياً.
الطريقة الرابعة: تداول العقود الآجلة
عبر بورصات العقود الآجلة، مناسبة للمستثمرين ذوي الخبرة في المشتقات. الرافعة عالية، والسيولة جيدة، لكن المخاطر أكبر.
الخلاصة: الاستثمار في اليورو يتطلب رؤية شاملة
مراجعة مسيرة اليورو خلال العشر سنوات الماضية تؤكد أن هذا العملة الاحتياطية العالمية لا تتغير بشكل معزول، بل تتأثر بسياسات البنك المركزي الأوروبي، والظروف الاقتصادية العالمية، والتغيرات الجيوسياسية.
بالنظر إلى 2026-2031، فإن فرص ومخاطر الاستثمار في اليورو متشابكة. يمكن للمتفائلين الاعتماد على سياسات البنك الأوروبي وضعف الدولار المتوقع، بينما ينبغي للحذرين مراقبة البيانات الاقتصادية والأحداث الجيوسياسية، وتعديل مراكزهم وفقاً لذلك.
أيّاً كانت الوسيلة المختارة، فإن النجاح يعتمد على متابعة مستمرة لبيانات الاقتصاد الأمريكي والأوروبي، وقرارات البنوك المركزية، والأحداث الجيوسياسية الكبرى. التجربة تُظهر أن المستثمرين الذين يتكيفون بسرعة مع التغيرات الأساسية غالباً ما يحققون أرباحاً من تقلبات اليورو. وأخيراً، تذكّر أن التداول في العملات الأجنبية ينطوي على مخاطر الرافعة المالية، ويجب تقييم القدرة على تحمل المخاطر قبل الاستثمار.
شاهد النسخة الأصلية
قد تحتوي هذه الصفحة على محتوى من جهات خارجية، يتم تقديمه لأغراض إعلامية فقط (وليس كإقرارات/ضمانات)، ولا ينبغي اعتباره موافقة على آرائه من قبل Gate، ولا بمثابة نصيحة مالية أو مهنية. انظر إلى إخلاء المسؤولية للحصول على التفاصيل.
نظرة على تقلبات اليورو خلال عشر سنوات: من الأزمة المالية إلى الأزمة الجيوسياسية، هل يمكن لهذا العملة أن تربح؟
باعتبارها ثاني أكبر عملة احتياطية عالمياً، دخل اليورو حيز التداول الرسمي منذ عام 2002، ومرّ بأكثر من ربع قرن غير عادي. خلال هذه الفترة، شهد اليورو تقلبات حادة على مدى عشر سنوات، وكل منعطف كان يخفي وراءه تغييرات عميقة في النظام الاقتصادي العالمي. من الأزمة المالية عام 2008 إلى أزمة الطاقة عام 2022، يُختصر هذا المسار الذي استمر لعشرين عاماً في تقلبات الاقتصاد العالمي. ستتناول هذه المقالة أهم اللحظات في مسيرة اليورو خلال العشر سنوات الماضية، لاستكشاف فرص الاستثمار المستقبلية لهذا العملة الاحتياطية الدولية.
أهم ثلاث محطات تحول في مسيرة اليورو خلال العشر سنوات الماضية
لفهم اتجاه اليورو المستقبلي، من الضروري مراجعة خارطته السابقة. خلال العقد الأخير، مرّ اليورو بثلاث تحولات رئيسية غيرت توقعات المستثمرين.
الذروة التاريخية عام 2008: إشارة الأزمة وراء مستوى 1.6038
نعود إلى يوليو 2008، حين وصل سعر صرف اليورو مقابل الدولار إلى أعلى مستوى له على الإطلاق عند 1.6038. لكن، على الرغم من هذا المجد الظاهر، كان هذا بمثابة إنذار مبكر لزواله. ففي ذلك الوقت، كانت أزمة الرهون العقارية الثانوية في الولايات المتحدة تتفجر بشكل كامل، مما أدى إلى انتشار سريع للأزمة المالية عالمياً، ولم تنج أوروبا من التداعيات.
بدأ انهيار النظام المصرفي من وول ستريت، لكنه تكرر في أوروبا. بسبب علاقات الأعمال العميقة بين المؤسسات المالية الكبرى في أوروبا والبنوك الأمريكية، أدت خسائر الأصول الناتجة عن أزمة الرهن العقاري إلى تأثيرات مباشرة على النظام المصرفي الأوروبي. كان إفلاس بنك ليمان براذرز نقطة تحول، حيث كسر الثقة في مبدأ “الضخم الذي لا يُقهر”، وفرضت مخاوف المخاطر على السوق سيطرة كاملة على المشهد المالي.
تبع ذلك تشديد الائتمان، حيث أصبح البنوك أكثر حذراً، وواجهت الشركات والمستهلكون صعوبة في الحصول على القروض. تراجعت الاستثمارات وتقلصت الإنفاقات، مما أدخل منطقة اليورو في ركود اقتصادي. اضطرت الحكومات إلى تنفيذ برامج تحفيزية، مما أدى إلى زيادة العجز المالي والديون العامة بشكل كبير. استجابةً لهذه الأزمة، أنهت البنك المركزي الأوروبي دورة رفع الفائدة في يوليو 2008، وبدأ بعدها بسرعة في خفض الفوائد وتفعيل برامج التيسير الكمي. على المدى القصير، وفرت هذه السياسات السيولة، لكنها زرعت بذور تراجع قيمة اليورو.
الارتداد من أدنى مستوى 2017: فرصة بعد مستوى 1.034
ننتقل إلى يناير 2017، بعد أن استمرت اليورو في الانخفاض لمدة تقارب تسع سنوات، حيث وصل سعر الصرف إلى أدنى مستوى عند 1.034. من مستوى 1.6038 في 2008 إلى 1.034، فقد اليورو أكثر من 35%، وهو تراجع غير معتاد في سوق العملات.
لكن عند هذا الحد، بدأت ظروف انتعاش اليورو تتشكل. أولاً، تم حل جزء كبير من الأزمة المالية الأوروبية. بدأ مؤشر مديري المشتريات الصناعي (PMI) في الارتفاع تدريجياً منذ بداية 2018، وانخفض معدل البطالة في منطقة اليورو إلى أقل من 10%، وأظهرت البيانات الاقتصادية علامات واضحة على التحسن. بدأ تأثير سياسات البنك المركزي الأوروبي طويلة الأمد، مثل الفوائد السلبية وبرامج التيسير الكمي، يظهر، وبدأ السوق يثق تدريجياً في تعافي الاقتصاد الأوروبي.
كما أن عام 2017 كان عاماً حاسماً في السياسة الأوروبية. فاز مرشحو الأحزاب المؤيدة لأوروبا في الانتخابات في فرنسا وألمانيا، مما عزز استقرار الحكومات المؤيدة للاتحاد الأوروبي. وفي الوقت نفسه، بدأت مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد (بريكست) في فبراير، وبدأت تتلاشى المخاوف الشديدة من الانفصال، مما عزز ثقة المستثمرين في مستقبل الاتحاد الأوروبي، وأدى إلى تدفقات استثمارية جديدة.
الأهم من ذلك، أن الاقتصاد الأمريكي كان يواجه حالة من عدم اليقين. مع تولي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة في يناير، زادت المخاوف من السياسات الأمريكية المستقبلية. في ظل هذا المناخ، جذبت الأصول اليوروبية، التي تعتبر أكثر أماناً، بعض التدفقات المالية. كل هذه العوامل دفعت اليورو للانتعاش من مستوى 1.034، وأسست لمرحلة ارتفاع لاحقة.
أدنى مستوى 2022 والانتعاش: صدمة الجغرافيا السياسية والانتعاش
في سبتمبر 2022، وصل اليورو مرة أخرى إلى أدنى مستوى عند 0.9536، مسجلاً أدنى مستوى منذ عشرين عاماً. وكان السبب الرئيسي هو اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.
أدت الحرب إلى انقطاع إمدادات الغاز والنفط من روسيا إلى أوكرانيا، وارتفعت أسعار الطاقة في أوروبا بشكل كبير خلال النصف الأول من 2022، مما زاد من التضخم، ورفع تكاليف الشركات، وأدى إلى مخاوف من ركود اقتصادي شامل. في الوقت ذاته، زادت المخاوف من الأمان، وارتفعت قيمة الدولار كملاذ آمن، بينما تراجعت قيمة اليورو نسبياً.
لكن، سرعان ما ظهرت بوادر تعافي. مع مرور الوقت، بدأ سلاسل التوريد العالمية في التكيف، وانخفضت أسعار الغاز والنفط في النصف الثاني من 2022. والأهم، أن البنك المركزي الأوروبي قام في يوليو وسبتمبر برفع أسعار الفائدة، منهياً بذلك ثماني سنوات من الفوائد السلبية. هذه الخطوة أرسلت رسالة واضحة للسوق عن عزم البنك على كبح التضخم من خلال تشديد السياسة النقدية. رغم أن الأزمة بين روسيا وأوكرانيا لم تتغير بشكل كبير، إلا أن وتيرة التصعيد لم تتسارع، وقلّت المخاوف من الملاذ الآمن، مما ساعد على انتعاش اليورو من مستوى 0.9536.
تحليل عميق: العوامل الأساسية والسياسات
كل منعطف في مسيرة اليورو خلال العشر سنوات الماضية يعكس تغيرات في الأساسيات الاقتصادية الأوروبية وتعديلات في سياسات البنك المركزي. لفهم الاتجاه المستقبلي، من الضروري استيعاب هذه العوامل العميقة.
سياسات البنك المركزي الأوروبي: الحصن الأخير لدعم اليورو
على مدى العقد الماضي، كانت سياسات البنك المركزي الأوروبي العامل الأهم في تحديد سعر صرف اليورو. من خفض الفوائد بشكل حاد واتباع التيسير الكمي في 2008، إلى دورة رفع الفوائد في 2022، كل تحرك من البنك الأوروبي كان يعيد صياغة توقعات السوق.
من الجدير بالذكر أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بدأ في نهاية 2023 في تبني سياسة أكثر تيسيراً، مع إشارات إلى قرب انتهاء دورة رفع الفوائد. لكن، مع استمرار ضغوط التضخم في أوروبا، ظل البنك الأوروبي حذراً في إنهاء دورة رفع الفوائد. رغم أن فوائد اليورو أقل من الدولار، إلا أن قرار البنك الأوروبي بالحفاظ على معدلات فائدة مرتفعة نسبياً يساهم في دعم اليورو. التجربة التاريخية تظهر أنه عندما يبدأ الفيدرالي الأمريكي في خفض الفوائد، غالباً ما يتراجع مؤشر الدولار خلال 3-5 سنوات، مما ينعكس إيجابياً على اليورو.
تقلبات الاقتصاد العالمي والفرص
تؤثر دورة الاقتصاد العالمية بشكل مباشر على الطلب على منتجات منطقة اليورو. إذا استمر النمو العالمي بقوة، فإن مكانة أوروبا كمحرك رئيسي للاقتصاد العالمي ستدعم ارتفاع اليورو. وعلى العكس، فإن تباطؤ النمو قد يدفع الأموال للعودة إلى أمريكا، مما يضغط على اليورو.
التحديات الحالية واضحة. فاقتصاد منطقة اليورو يقترب من الركود، مع مشاكل في هيكلية الصناعة، وزيادة المخاطر الجيوسياسية، مثل استمرار الصراع الروسي الأوكراني وعدم استقرار الأوضاع في الشرق الأوسط، كلها تضعف ثقة المستثمرين. تراجع مؤشر مديري المشتريات الصناعي إلى أقل من 45 يعكس احتمالية تدهور الاقتصاد خلال الأشهر القادمة.
فرص الاستثمار في اليورو بين 2026 و2031: تفاؤل أم تشاؤم؟
بالنظر إلى بداية 2026، يتطلب تقييم فرص الاستثمار في اليورو خلال السنوات الخمس القادمة موازنة بين التفاؤل والحذر.
عوامل تدعم ارتفاع اليورو:
مخاطر تضعف اليورو:
بناءً على ذلك، يُرجح أن يتسم مسار اليورو خلال السنوات الخمس القادمة بـ"تقلبات تصاعدية". قد يواجه النصف الأول من الفترة ضغوطاً، لكن مع تراجع الفوائد الأمريكية تدريجياً، ودعم سياسات البنك الأوروبي، من المتوقع أن يبدأ اليورو في الارتفاع تدريجياً من النصف الثاني من 2026. هذا الاتجاه التصاعدي قد يستمر حتى يبدأ البنك الأوروبي في خفض الفوائد بشكل كبير، مع ضرورة الحذر من أي أحداث جيوسياسية أو مالية قد تعطل هذا السيناريو.
كيف يشارك المستثمرون التايوانيون في سوق اليورو
بالنسبة للمستثمرين التايوانيين، هناك عدة طرق للمشاركة في استثمار اليورو، ولكل منها مميزاتها وعيوبها.
الطريقة الأولى: حسابات الصرف الأجنبي في البنوك فتح حساب صرف أجنبي في بنك تجاري أو بنك دولي، وإجراء عمليات شراء وبيع العملات التقليدية. الميزة هي الأمان، لكن العيب هو ارتفاع الحد الأدنى للاستثمار، وغالباً لا يمكن البيع على المكشوف، مما يقلل من مرونة التداول.
الطريقة الثانية: وسطاء الفوركس (منصات العقود مقابل الفروقات CFD) توفرها شركات الوساطة الدولية، وتعد خياراً جيداً للمستثمرين الصغار والمتداولين القصيرين. الميزة هي انخفاض الحد الأدنى، والمرونة في التداول، وإمكانية البيع على المكشوف، لكن المخاطر عالية بسبب الرافعة المالية، وتتطلب إدارة مخاطر جيدة.
الطريقة الثالثة: خدمات الفوركس من شركات الأوراق المالية التايوانية بعض شركات الأوراق المالية تقدم خدمات تداول العملات الأجنبية، وتجمع بين أمان التداول في الأسهم ومرونة استثمار العملات، لكن الخيارات محدودة نسبياً.
الطريقة الرابعة: تداول العقود الآجلة عبر بورصات العقود الآجلة، مناسبة للمستثمرين ذوي الخبرة في المشتقات. الرافعة عالية، والسيولة جيدة، لكن المخاطر أكبر.
الخلاصة: الاستثمار في اليورو يتطلب رؤية شاملة
مراجعة مسيرة اليورو خلال العشر سنوات الماضية تؤكد أن هذا العملة الاحتياطية العالمية لا تتغير بشكل معزول، بل تتأثر بسياسات البنك المركزي الأوروبي، والظروف الاقتصادية العالمية، والتغيرات الجيوسياسية.
بالنظر إلى 2026-2031، فإن فرص ومخاطر الاستثمار في اليورو متشابكة. يمكن للمتفائلين الاعتماد على سياسات البنك الأوروبي وضعف الدولار المتوقع، بينما ينبغي للحذرين مراقبة البيانات الاقتصادية والأحداث الجيوسياسية، وتعديل مراكزهم وفقاً لذلك.
أيّاً كانت الوسيلة المختارة، فإن النجاح يعتمد على متابعة مستمرة لبيانات الاقتصاد الأمريكي والأوروبي، وقرارات البنوك المركزية، والأحداث الجيوسياسية الكبرى. التجربة تُظهر أن المستثمرين الذين يتكيفون بسرعة مع التغيرات الأساسية غالباً ما يحققون أرباحاً من تقلبات اليورو. وأخيراً، تذكّر أن التداول في العملات الأجنبية ينطوي على مخاطر الرافعة المالية، ويجب تقييم القدرة على تحمل المخاطر قبل الاستثمار.