مشهد كامل لسوق أسهم الصناعات العسكرية الأمريكية: فرص الاستثمار في أكبر ست شركات رائدة من خلال طلبات الدفاع

مع إعادة ترتيب المشهد الجيوسياسي العالمي، وارتفاع وتيرة الصراعات الإقليمية، أصبح دور التكنولوجيا العسكرية يتزايد بشكل متسارع. تتصاعد ميزانيات الدفاع في الولايات المتحدة وجميع دول العالم سنويًا، مما يفتح فرصًا هيكلية لنمو صناعة الأسلحة. يركز هذا التحليل العميق على سوق الأسهم العسكرية الأمريكية، كاشفًا للمستثمرين عن مجال استثماري استراتيجي مدفوع بشكل رئيسي بالتغيرات الجيوسياسية.

تصاعد النزاعات يدفع التحول في التكنولوجيا والدفاع

كانت النزاعات الإقليمية السابقة تعتمد أكثر على القوى البشرية والتكتيكات التقليدية. أما اليوم، فقد تغير شكل الحرب تمامًا، حيث أصبحت الطائرات بدون طيار، والصواريخ الدقيقة، والحرب المعلوماتية، والدفاع السيبراني عوامل حاسمة في ساحة المعركة الحديثة. هذا التطور في الحرب التكنولوجية يدفع بشكل هيكلي لزيادة الإنفاق العسكري على مستوى العالم.

لقد أدركت الحكومات أن الاستثمار في تقنيات الدفاع المتقدمة يمكن أن يحقق فعالية دفاعية أكبر باستخدام موارد أقل. وفي ظل انخفاض معدلات الولادة، أصبح استبدال البشر بالتكنولوجيا خيارًا استراتيجيًا للدول. بالإضافة إلى ذلك، من منظور الأمن القومي، لا ترغب أي دولة في أن تتخلف عن خصومها في مجال التكنولوجيا العسكرية، مما يخلق دافعًا طويل الأمد ومستقر للإنفاق الدفاعي.

تعريف الأسهم العسكرية واسع جدًا، يشمل من أنظمة الأسلحة الكبيرة إلى المواد العسكرية مثل القوارير والملابس العسكرية، وأي شركة تقدم منتجات أو خدمات للجيش تُصنف ضمن مفهوم الأسهم العسكرية. ومع ذلك، عند الاستثمار، من المهم التمييز بين الشركات العسكرية “الخالصة” و"الجزئية"؛ لأن ذلك يؤثر مباشرة على مدى استفادتها من زيادة الإنفاق الدفاعي.

ثلاثة مؤشرات رئيسية لتقييم الاستثمار في الأسهم العسكرية

قبل الشروع في استثمار في الأسهم العسكرية الأمريكية، يجب على المستثمرين فهم ثلاثة أبعاد تقييم رئيسية.

الأول هو نسبة الإيرادات من الأنشطة العسكرية. شركة لوكهيد مارتن (LMT) ورايثيون (RTX) تعتبران من الشركات العسكرية الخالصة، حيث تتجاوز 80% من إيراداتهما من عقود الدفاع الأمريكية، لذا فإن التغيرات في السياسات الدفاعية تؤثر مباشرة على أدائهما. بالمقابل، شركات مثل بوينج، جنرال دايناميكس، وكاتربيلر، تعمل في مجالات مختلطة، وتكون تقلبات أسهمها أكثر تأثرًا بظروف السوق المدنية.

الثاني هو توقعات الطلب السوقي. مع تطور شكل الحرب، قد يتوقف الطلب على القوات البرية، لكن الطلب على أنظمة الأسلحة عالية التقنية للجيش الجوي والبحري يتزايد باستمرار. على المستثمرين تتبع أنظمة الأسلحة التي تدخل في مراحل التحديث، بدلاً من الاعتماد على أنماط الشراء السابقة.

الثالث هو ميزة الشركات التكنولوجية والحواجز الثقة. الدخول إلى صناعة الدفاع مرتفع جدًا من حيث العوائق. تتطلب عقود الدفاع عمليات تدقيق أمني صارمة، وبناء الثقة مع الجهات الحكومية يستغرق سنوات. بمجرد أن تؤسس الشركة مكانتها كمورد موثوق، يصعب استبدالها بسهولة. هذا الميزة الهيكلية تضمن أن القادة السوقيين يمكنهم الحفاظ على مكانتهم التنافسية على المدى الطويل.

تفرعات الشركات الرائدة في السوق الأمريكية

1. لوكهيد مارتن (LMT): القائد المطلق في الصناعة العسكرية

كونها أكبر شركة أسلحة في العالم، تنتج لوكهيد مارتن طائرات مقاتلة متقدمة، مروحيات، وصواريخ. من بين منتجاتها الشهيرة: F-35، F-16، طائرات النقل C-130، والمروحيات Black Hawk. خلال النزاع بين روسيا وأوكرانيا، برزت أهمية تقنية الطائرات بدون طيار، مما أدى إلى زيادة الطلب على أنظمة الضربات الدقيقة.

من الناحية الطويلة الأمد، يظهر سعر سهم لوكهيد مارتن اتجاهًا تصاعديًا ثابتًا، مع تصحيحات طفيفة مرتبطة بتصحيح السوق العام وليس بتدهور أساسي في الأداء. تدفق السيولة المستقر، وتوزيعات الأرباح المستمرة، وكونها رائدة في القطاع، يجعلها من أكثر الاستثمارات الدفاعية أمانًا على المدى الطويل.

2. رايثيون (RTX): مزود دفاعي يواجه تحديات

رايثيون هي ثاني أكبر مورد للأسلحة لوزارة الدفاع الأمريكية، وتنتج صواريخ الصياد، صواريخ باتريوت، وصواريخ كروز توم هانكس. ومع ذلك، أدت أزمة القطاع المدني للطيران إلى ضعف أداء السهم مؤخرًا، خاصة بسبب مشاكل في محركات شركة Pratt & Whitney التابعة لها.

محركات PW1100G-JM التي تزود طائرات إيرباص A320neo تعاني من عيوب في سبائك المعدن، مما قد يؤدي إلى كسر الأجزاء تحت ظروف الضغط العالي. هذا يسبب طلبات صيانة وإصلاحات واسعة، مع فترات تصل إلى أكثر من 300 يوم، ويزيد من مخاطر الدعاوى القضائية وفقدان العملاء، مما يضغط على أداء الشركة.

رغم أن الطلبات العسكرية لا تزال تنمو بشكل مستقر، إلا أن الأزمة في القطاع المدني تلغي فوائد النمو في قطاع الدفاع. على المستثمرين مراقبة تقدم عمليات الصيانة وحل النزاعات، بدلاً من الاعتماد فقط على نمو الطلبات العسكرية، مما يجعل السهم أكثر ملاءمة للمراقبة وليس للشراء الآن.

3. نورثروب غرومان (NOC): احتكار تكنولوجي وردع استراتيجي

نورثروب غرومان هي رابع أكبر شركة عسكرية في العالم، وأكبر مصنع للرادارات. تتميز بأنها شركة “عسكرية خالصة”، مع أرباح مستقرة وتوزيعات مستمرة لأكثر من 18 عامًا.

تمتلك الشركة احتكارًا تكنولوجيًا قويًا، حيث أن تقنية الطائرات المقاتلة الشبحية، والرادارات المتقدمة، لا تنتج إلا في الولايات المتحدة، مما يشكل حاجزًا تنافسيًا لا يمكن تجاوزه. تركز حالياً على “الردع الاستراتيجي” — عبر قدرات الهجوم المبكر التي تردع الخصوم عن شن هجمات، وتشمل مجالات الدفاع الفضائي، والصواريخ البعيدة المدى، والاتصالات العسكرية.

أبرزت أزمة روسيا وأوكرانيا أهمية الردع النووي والقدرات على الضربات البعيدة، مما أدى إلى سباق تسلح نووي بين القوى الكبرى. مشاريع مثل صاروخ GBSD الباليستي العابر للقارات وطائرة B-21، تشكل الركائز الأساسية لتحديث القوات الأمريكية، مع التركيز على الردع الاستراتيجي والدفاع الفضائي في العقد القادم. طالما استمرت التهديدات الأمنية العالمية، فإن الطلب على منتجات نورثروب غرومان سيظل قويًا، مما يجعلها من أكثر الشركات استثمارًا طويل الأمد في القطاع العسكري.

4. جنرال دايناميكس (GD): مصدر دخل دفاعي مستقر

جنرال دايناميكس هي واحدة من أكبر خمسة موردين للأسلحة في أمريكا، وتخدم القوات البحرية، البرية، والجوية. تنتج أيضًا طائرات رجال الأعمال المدنية، مثل طائرات Gulfstream.

رغم أن نسبة إيراداتها من الدفاع أقل من لوكهيد مارتن أو نورثروب، إلا أن تنوع عملائها يضمن استقرار الأداء، حيث أن العملاء الأثرياء لا يتأثرون كثيرًا بالتقلبات الاقتصادية. خلال الأزمة المالية عام 2008، وجائحة 2020، حافظت الشركة على أرباحها بشكل ثابت، ولم تتأثر بشكل كبير بالتقلبات الاقتصادية.

توزيع الإيرادات: 25% مدني، 23% بحرية، 22% أمن قومي، 18% أسلحة، و12% خدمات مهمة. التنوع يقلل من تأثير التغيرات السياسية المفاجئة. كما أن الشركة تتبع سياسة إعادة شراء الأسهم بشكل منتظم، وتدفع أرباحًا متزايدة منذ أكثر من 32 عامًا، مما يجعلها خيارًا دفاعيًا جيدًا في قطاع الدفاع، رغم أن معدل النمو أقل من الشركات العسكرية الخالصة.

5. بوينج (BA): تدهور القطاع المدني يثقل على قدراتها العسكرية

بوينج، أحد عملاقي صناعة الطائرات المدنية، أيضًا من كبار موردي الأسلحة في أمريكا، مع منتجات دفاعية مثل B-52، وهليكوبتر أباتشي.

لكن تراجع سعر السهم يعود بشكل رئيسي إلى مشاكل القطاع المدني، خاصة بعد حوادث طائرات 737 MAX التي أدت إلى توقفها عالميًا، وتأثير جائحة كورونا على الأداء. بالإضافة إلى ذلك، تواجه بوينج منافسة متزايدة من شركات تصنيع الطائرات المحلية، خاصة شركة COMAC الصينية، التي تحظى بدعم حكومي قوي، وتطمح لاقتناص حصة سوقية عالمية.

من ناحية الاستثمار، من المتوقع أن تظل طلبات القطاع العسكري لبوينج مستقرة، لكن آفاق القطاع المدني غير مؤكدة، لذا يُنصح بالانتظار عند انخفاض السعر لشراء الأسهم بدلاً من الشراء عند الارتفاع.

6. كاتربيلر (CAT): تداخل واضح بين الصناعات

كاتربيلر، شركة تصنيع معدات صناعية ثقيلة، تنتج معدات زراعية، معدات تعدين، ومحركات، وتشارك أيضًا في صناعة محركات السفن العسكرية. ومع ذلك، فإن إيراداتها من الدفاع أقل من 30%، ويظل نشاطها الرئيسي في المعدات الصناعية.

تتركز إيراداتها على قطاعات البناء، التعدين، والطاقة، مع نمو مدفوع بشكل رئيسي بالطلب من السوق الصينية، حيث استثمرت الحكومة بكثافة في البنية التحتية لمواجهة التباطؤ الاقتصادي، وكذلك بعد الكوارث الطبيعية أو الحروب، حيث تزداد الحاجة لمشاريع إعادة الإعمار.

وبينما تعتبر شركة كاتربيلر من شركات المفهوم العسكري، إلا أن أدائها يتأثر أكثر بدورات الإنفاق على البنية التحتية والسلع الأساسية، وليس مباشرة بالإنفاق الدفاعي، مما يجعلها من فئة الأسهم الصناعية ذات الصلة، وليست من الشركات العسكرية الخالصة.

رؤية قيمة الأسهم العسكرية وفق نظرية الحصن الدفاعي لبافيت

يعتمد استثمار بافيت على ثلاثة عناصر: مسار طويل، وحصن دفاعي عميق، و"كرة ثلج" رطبة. وتظهر الأسهم العسكرية الأمريكية تفوقًا في هذه الأبعاد الثلاثة.

طول الأمد في القطاع: رغم أن العديد من أنماط السلوك البشري تتغير أو تتوقف، إلا أن النزاعات لم تتوقف أبدًا، واحتياجات الدفاع لا تنتهي. لذا، فإن النمو في صناعة الدفاع هو هيكلي وليس دوريًا.

حواجز الحصن الدفاعي: تقنيات الدفاع تتقدم على التكنولوجيا المدنية، وغالبًا ما تُستخدم نتائج الأبحاث العسكرية في التطبيقات المدنية بعد سنوات. الدخول إلى صناعة الدفاع مرتفع جدًا، وبناء الثقة مع الحكومة يستغرق سنوات، والاحتكار التكنولوجي يضمن استدامة الشركات الرائدة.

رطوبة الكرة الثلجية: مع تزايد التوترات الجيوسياسية، وارتفاع الإنفاق العسكري، من غير المرجح أن يتغير هذا الاتجاه في المستقبل القريب. السياسات التي قد تقلل من الإنفاق العسكري، مثل نزع السلاح، نادرة جدًا حاليًا، مما يعزز استدامة النمو.

إطار اتخاذ قرار الاستثمار في الأسهم العسكرية الأمريكية

للمستثمرين الراغبين في دخول سوق الأسهم العسكرية الأمريكية، من المهم مراعاة النقاط التالية:

  • تحليل نسبة الإيرادات العسكرية بدقة: فمثلًا، تأثير زيادة الإنفاق الدفاعي على أرباح لوكهيد مارتن وبيونج يختلف بشكل كبير عن تأثيره على شركات ذات أنشطة مختلطة.

  • مراقبة توجهات القطاع المدني: كما أظهرت حالات رايثيون وبيونج، فإن الأزمات في القطاع المدني يمكن أن تلغي فوائد النمو في القطاع العسكري.

  • تقييم عمق الحواجز التكنولوجية: الشركات التي تمتلك تقنيات احتكارية، مثل نورثروب غرومان، تكون أكثر مقاومة للتقلبات.

  • الاستثمار على المدى الطويل: عوائد الأسهم العسكرية تأتي من التدفقات النقدية والأرباح المستدامة، وليس من تقلبات الأسعار القصيرة الأمد.

الخلاصة

تمثل الأسهم العسكرية الأمريكية أكثر من مجرد صناعة دفاع تقليدية، فهي أصول استراتيجية في ظل التنافس الجيوسياسي الحالي. مع استمرار الدول في زيادة استثماراتها في التكنولوجيا العسكرية، خاصة في ظل التوترات العالمية، فإن الشركات ذات الحواجز التكنولوجية العميقة والإيرادات العسكرية العالية تعتبر من الخيارات المثلى للاستثمار طويل الأمد. ومع ذلك، يتطلب الأمر تقييمًا دقيقًا للشركات من حيث الأداء المالي، والابتكار التكنولوجي، والبيئة الجيوسياسية، والطلب المدني، لاتخاذ قرارات استثمارية حكيمة.

شاهد النسخة الأصلية
قد تحتوي هذه الصفحة على محتوى من جهات خارجية، يتم تقديمه لأغراض إعلامية فقط (وليس كإقرارات/ضمانات)، ولا ينبغي اعتباره موافقة على آرائه من قبل Gate، ولا بمثابة نصيحة مالية أو مهنية. انظر إلى إخلاء المسؤولية للحصول على التفاصيل.
  • أعجبني
  • تعليق
  • إعادة النشر
  • مشاركة
تعليق
0/400
لا توجد تعليقات
  • Gate Fun الساخن

    عرض المزيد
  • القيمة السوقية:$2.38Kعدد الحائزين:0
    0.00%
  • القيمة السوقية:$2.37Kعدد الحائزين:0
    0.00%
  • القيمة السوقية:$2.36Kعدد الحائزين:0
    0.00%
  • القيمة السوقية:$2.37Kعدد الحائزين:2
    0.00%
  • القيمة السوقية:$0.1عدد الحائزين:0
    0.00%
  • تثبيت